قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن مدن

الفوضى الخلاقة التي بشرت بها الإدارة الأمريكية السابقة لم تعد نهجاً أمريكياً فحسب، وإنما هي نهج تسير على خطاه قوى أخرى، لا يمكن أن تكون بريئة من الشبهات المثارة حولها، ترمي للدفع بالمنطقة في أتون نزاعات طائفية وعرقية تهدد الموزاييك البشري متعدد الانتماءات في منطقتنا، والذي إليه يعود الفضل في الكثير من أوجه الحيوية التي ميزت مجتمعاتنا العربية، فالتعدد والتنوع مبعث الديناميكية، والأحادية قرينة الجمود .

لا يمكن النظر لاستهداف المسيحيين في العراق ومن ثم في مصر بعيداً عن هذا السياق، فالمطلوب إفراغ الشرق العربي من أحد أهم مكوناته، عبر حمل المسيحيين على الهجرة من بلدانهم، ويمكن لنا أن نفترض ldquo;سيناريوrdquo; مفزعاً لا يقل خطورة، هو حملهم على المطالبة بكيانات خاصة بهم تضمن لهم الحماية .

هل هي المصادفة وحدها أن الجنوب السوداني الذاهب إلى الانفصال عن شماله ليكون كياناً مستقلاً، هو كيان مسيحي؟

هذا سؤال يجب التوقف أمامه، لا للانسياق وراء غواية نظرية المؤامرة، وهو الأمر الأسهل هاهنا لمن يريد ألا يرى الأوجه المتعددة لهذه المسألة، وإنما للتوقف جدياً أمام مسؤولية الثقافة السياسية السائدة عربياً في التعاطي مع ملفات بهذه الخطورة .

ldquo;إسرائيلrdquo; بالدرجة الأساسية وخلفها قوى كثيرة تريد لهذه المنطقة العربية أن تتفكك إلى مجموعة من الكيانات المذهبية والعرقية، فلا يعود بالوسع التفريق بين المتن والهامش، بين الثابت والطارئ . وبدل أن يجري التصدي لهذا المنهج الشرير، فإن سياسات عربية كثيرة سهلت وتسهل نجاح هذا السيناريو بالتقسيط وعلى دفعات .

تعزز ذلك ثقافة سياسية سائدة لا تقيم الاعتبار المطلوب لحقيقة ودور أقليات عدة في عالمنا العربي، بعضها يشاركنا الدين، وبعضها الآخر يشاركنا اللغة، ولكنها مشمولة بمسار التطور الحضاري الجامع لهذه المنطقة، الذي كانت الحضارة العربية الإسلامية وستظل وعاءه الحاضن .

رغم معرفتنا بأن بعض القيادات الجنوبية يروق لها خيار الانفصال، ولكن الجنوبيين ذهبوا إلى هذا الخيار تحت ضغط حروب فُرضت عليهم ممن يقررون الأمور في العاصمة السودانية، وتحت ضغط سياسة لم تراع أن السودان لا يقطنه المسلمون وحدهم، من دون التبصر في خطورة نهج كهذا لا يرضاه الإسلام نفسه .

للأسف الشديد فإن مصير الأوطان يقرن بمصير الحكام، فيصبح الحاكم مستعداً لمقايضة بقائه في الحكم بالتضحية بمصير الوطن، والهروب من حل القضايا الكبرى للأوطان عبر الهش بالعصا على الدهماء المجلوبة للساحات قسراً .