قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مايكل جيرسون

في الوقت الذي يعيش فيه الأميركيون صدمة تحول النقاش السياسي إلى العنف من الجدير التساؤل حول قضية لباقة الخطاب وسعة الصدر وقبول الرأي الآخر وأولويتها في الظرف الراهن، فإلى جانب ما تستدعيه القيم التربوية عادة هناك أيضاً أسئلة مرتبطة بالحاجة أصلاً إلى هذا الأدب في الخطاب مع الآخرين، وهنا لابد من البحث عن الجذور الثقافية للتعامل مع الاختلاف في وجهات النظر. وبالرجوع إلى التقليد الغربي يمكن العثور على إحدى الإجابات حول الحاجة إلى التأدب، في علم الأفكار، أو الإبستمولوجيا، فحسب هذه المدرسة يتعين على المواطنين تجنب المواقف المتعالية أو غير المتسامحة إزاء المبادئ السياسية والأخلاقية والدينية التي يتبناها الآخر لأنه لا أحد يستطيع ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، كما أنه لا وجود لليقينيات فيما يتعلق بالأفكار ووجهات النظر الإنسانية. ووفقاً لهذا الاتجاه فإن ما نحتاجه في النقاش العام والحياة السياسية هو مزيد من الغموض الإيجابي وعدم التعلق الوجداني بما يبدو لنا قاطعاً في صوابه، وبهذا المعنى يصبح الجدل أقل حدة وأكثر قبولاً للآخر وتفهماً لوجوده. والذين يحملون هذه الفكرة هم المدافعون عادة عن النسبية الفكرية ممن يرون أن الهدف الأول من التربية هو تعزيز قيمة الشك. ويشاركهم في هذه النسبية التقليد المحافظ الذي ينفر بطبيعته من اليقينيات التي تقود إلى تغييرات كبيرة في المجتمع.

ويمكن تتبع النظرة الإبستمولوجية لتهذيب الخطاب القائمة على التواضع سواء في شقها الليبرالي، أو المحافظ، إلى المفكرين الليبراليين من أمثال جون لوك الذي كان انشغاله الأساسي تجنب الحروب والعداوات الفكرية، وبالأخص حين يتعلق الأمر بالصراعات الدينية، فإذا كان الجميع يرى في آرائه مجرد وجهات نظر لا تحمل الحقيقة في ذاتها فلن يتعصب أحد لموقفه، وستقل بذلك احتمالات الإكراه والعنف، وفي غياب اليقين الضار والمنغلق يمكن للمجتمع أن يواصل نشاطه وتفاعلاته من خلال المقايضة والتسوية.

ولكن هناك مذهب آخر يدافع عن التأدب مع الآخر وقبوله يجد أساسه في علم الإناسة، أو الإنثروبولوجيا، وبحسب هذه المدرسة التي يعتمد عليها التقليد المسيحي وقوانين الطبيعة يتعين التعامل مع البشر على أنهم سواسية وبنفس القدر من الاحترام ليس فقط لما يحملونه من أفكار أو مواقف، بل لقيمتهم الإنسانية قبل كل شيء، فحتى في الحالات التي نعتقد فيها أنهم على خطأ ولا نوافقهم الرأي تحتم علينا كرامتهم الإنسانية احترام حرياتهم ووعيهم الخاص، وبهذا المعنى يصبح المجتمع أكثر عدلًا وتأدباً بين أفراده كلما اعتنق الناس الفكرة الأخلاقية المؤمنة بالكرامة الإنسانية لتترجم في حياتنا وقوانيننا، فلا ريب أن الشك مفيد ولابد منه للتخفيف من غلواء الأيديولوجيات والوثوقيات، كما أن العالم أكثر تعقيداً من أن نحيط به من كل جانب ونفهمه تماماً، هذا بالإضافة إلى الطبيعة المؤقتة لقناعاتنا.

ولكن مع ذلك يتحول الشك المفيد إلى عامل مدمر عندما يصل إلى الوسط ويستعيض عن الأفكار، فالشك المنهجي والنسبية قد يمنعنا من إزعاج جيراننا لاختلافهم، إلا أنه لا يولد في نفوسنا الرغبة والحماس الضروريين لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم من منطلق كرامتهم الإنسانية المتجذرة.

ولكن كيف يمكن للتشكيك وانعدام الإيمان أن ينتج الأحلام الضرورية والمثاليات المهمة لإحلال مفاهيم العدالة والشرف والنزاهة والتضحية وغيرها؟ وكيف يمكننا في هذه الحالة أن نفهم كبار المصلحين الأميركيين الذين أدخلوا التغييرات الأساسية في حياتنا السياسية؟ وفي الأيام الماضية التي شهدت حادثة إطلاق النار في أريزونا تأكدت محدودية الفلسفة السياسية القائمة على الشك في حمايتنا، كما أن quot;مارتن لوثر كينجquot; لم يعارض ممارسات الفصل العنصري من منطلق أن المؤمنين بها كانوا قطعيين في يقينهم، بل لأنها كانت تمثل مساساً بطبيعة الوجود الإنساني، وهو لم يسعَ إلى تبديد التعصب من خلال التركيز على الغموض، بل من خلال دعوته الأميركيين لاعتناق مبدأ أخلاقي أسمى، وعلى رغم الحماسة التي طغت على مطالبه وأودت بحياته في النهاية، إلا أنه كان يدعو إلى الاحتجاج السلمي ما دام يتعين احترام إنسانية البشر حتى لو كانوا يشرفون على نظام قمعي وعنصري.

ومن الضروري التوضيح أن المبدأ الأخلاقي لا يعني التعالي والغطرسة، بل إن كلا المذهبين النسبي والأخلاقي يدعوان إلى التواضع سواء من منطلق الشك الذي يدفعنا إلى الاعتقاد باحتمال جهلنا، أو بدافع الكرامة الإنسانية التي تقودنا للانحناء أمام مبدأ أخلاقي هو أكبر منا مؤداه أن الآخر مهم بنفس درجة أهميتنا وبأن مشتركنا الإنساني يستلزم الاحترام والتقدير. ومع أن هذا الاتجاه الأخير هو الأصعب في التطبيق إلا أنه الأقوى والأبقى، ولذا نحتاج نحن في أميركا إلى تهذيب أعمق وأمتن مع الآخر يفسح المجال أمام الاختلافات الجوهرية في وجهات النظر، ويقوم على أساس الاحترام للأصل الإنساني. ولن يتحقق ذلك على المدى البعيد دون أن نتعلم احترام الآخر المختلف في أفكاره وآرائه حتى عندما تبدو مبادئه السياسية تافهة أو عبثية. وليس غريباً أن تبدأ ديباجة الدستور الأميركي بحقيقة أنثروبولوجية تتعالى عن الشك وترتفع إلى مستوى المعطى الأخلاقي الثابت عندما يقول quot;إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية، بأن جميع البشر خلقوا سواسيةquot;، ذلك أن الإيمان الثابت والعميق، وليس غيابه، هو ما يمدنا بأقوى الحوافز وأبلغها أثراً لاحترام الآخر.

مايكل جيرسون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة quot;واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيسquot;