قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بلال الحسن

يرفض المفكرون والسياسيون النظرية الشائعة القائلة بأن التاريخ يعيد نفسه. بعضهم يقول: إن التاريخ يعيد نفسه إن أعاد بشكل مضحك. ومع ذلك الاختلاف المتواتر، نسمع بين فترة وأخرى، تعليقا على حدث سياسي معين يقول: إن التاريخ يعيد نفسه.

والآن.. وفي لبنان.. لا نعدم من يقول إن التاريخ يعيد نفسه، دون أن يدري أحد إن كان يعيد نفسه بشكل رصين أم بشكل كاريكاتيري، إذ حين تنعقد مقارنة بين أحداث عام 1975 التي فجرت الحرب الأهلية في لبنان، وبين الخلاف السياسي الناشب الآن (2011)، الذي يبرق بنذر حرب أهلية جديدة، يجد الكثيرون أوجه شبه كثيرة، على الرغم من أن المواقف تنتقل بأصحابها من حال إلى حال، ومن موقع إلى موقع مضاد.

لقد انطلقت عاصفة الوضع السياسي المتأزم الآن يوم 14 فبراير (شباط) 2005، اليوم الذي شهد اغتيال الزعيم السني، ابن صيدا، الشهيد رفيق الحريري. وبالمقابل انطلقت عاصفة الوضع السياسي المتفجر قبل ستة وثلاثين عاما، يوم 6 فبراير 1975، يوم اغتيل الزعيم السني، ابن صيدا، معروف سعد، الذي توفي بعد شهر في 6 مارس (آذار) 1975. حدثان متلاحقان. حدثان متشابهان. لقائدين سياسيين، من طائفة واحدة، ومن مدينة واحدة، وكل حدث منهما فجر عاصفة كبيرة حملت لقب الحرب الأهلية في السابق، وهناك من يحذر الآن من حرب أهلية قادمة، يحاول الكثيرون منع وقوعها، بينما التاريخ يراقب ويضحك. وهناك من يتحدث عن تكرار التاريخ، وهناك من يذكرك أيضا بنظرية laquo;مكر التاريخraquo;.

وهنا نحن نتحدث عن الحدثين الكبيرين. ولكن ماذا لو انتقلنا إلى الحديث عن الأمور الأصغر والأصغر. يروي شهود العيان أن رفيق الحريري خرج يوم اغتياله من مبنى البرلمان، واتجه نحو مقهى قريب، وجلس مع بعض النواب الموالين له، وشرب معهم القهوة، ثم ركب سيارته، وسار مع موكبه إلى مصيره الدامي. والغريب أن معروف سعد يوم اغتياله في صيدا، وكما يروي أحد زملائه، الحاج محمد سليم السن (86 عاما)، أقدم صيادي الأسماك في صيدا، وأحد مؤسسي نقابة الصيادين عام 1952، فإن معروف سعد، جاء من منزله متأخرا بسبب المرض، والتقى الدكتور نزيه البزري في أحد مقاهي صيدا، وسكبوا له الشاي ليشربه كالعادة، لكنه قام بإفراغه من الكوب، وأضاف إليه الماء كي يبرد سريعا، وشربه دفعة واحدة، كي يخرج سريعا للاشتراك في مظاهرة للصيادين، حيث واجه مصيره بعد دقائق. لقطتان إنسانيتان بسيطتان ومتشابهتان، كانتا آخر ما فعله الرجلان، فهل تعنيان أن التاريخ يكرر نفسه؟ وهل يشكل شرب الشاي أو الجلوس في المقهى مع الأصدقاء حدثا تاريخيا؟ ربما.

ولكن ماذا كان الموضوع السياسي المختلف عليه بعد تداعيات اغتيال رفيق الحريري، ويوم اغتيل معروف سعد؟

الموضوع السياسي المتفجر الآن، يتعلق بالموقف من المحكمة الدولية، وبالقرار الظني الذي صدر عن المحكمة، وباتهام المعارضين بأن المحكمة مسيسة، وأنها تعمل بوحي مواقف أميركية وإسرائيلية. ويختار كل طرف سياسي لبناني موقفا يعارض به الطرف الآخر. أما الموضوع السياسي الذي كان متفجرا يوم اغتيال معروف سعد، فكان موضوعا اجتماعيا لبنانيا من الطراز الأول، فالحكومة اللبنانية منحت الزعيم اللبناني كميل شمعون، وشركة laquo;بروتينraquo; التي كان يرأسها، احتكار الصيد أمام شواطئ صيدا، وحجبت هذا الحق عن الصيادين الصغار في المدينة. وكان من شأن سفن شركة laquo;بروتينraquo; لو جابت البحر، أن تلغي وجود قوارب الصيد، وأن يتحول الصيادون بالضرورة إلى أجراء لدى الشركة المحتكرة. غضب الصيادون واحتجوا وتظاهروا، وتزعم غضبهم ومظاهرتهم معروف سعد. وتصادف أن كميل شمعون كان يقف آنذاك في الجانب السياسي الآخر المضاد. وقد لا يوجد بين المحكمة والقرار الظني، وبين احتكار الصيد في البحر أي شبه، ولكن الزعماء من هذا الطرف يقفون في وجه الزعماء في ذاك الطرف، وهنا الشبه السياسي والأساسي.

أما ردود الفعل على هذا التناقض في المواقف، فهي أقرب إلى الشبه والتكرار من أي شيء آخر. في موضوع المحكمة الآن، ومن القرار الظني إلى شهود الزور، بادر الفريق اللبناني المعارض إلى دفع وزرائه للاستقالة من الحكومة. أما أيام اغتيال معروف سعد، فقد كانت استقالة الوزراء جزءا أساسيا من المشهد السياسي. مثلا في 3 مارس 1975 قدم مالك سلام، وزير الموارد المائية والكهربائية آنذاك، استقالته من الحكومة احتجاجا على أحداث صيدا (الاغتيال والمواجهة بين الجيش والمتظاهرين). وفي 2 أبريل (نيسان) استقال وزير الصحة مجيد أرسلان، وفي 14 أبريل هدد وزير الاقتصاد عباس خلف ووزير المالية خالد جنبلاط بالاستقالة، وفي 10 مايو (أيار) قدم وزير الزراعة سليمان العلي استقالته، وتلاه وزير الدفاع جوزيف سكاف ووزير السياحة سورين خانامريان، وفي النهاية قدم رئيس الوزراء رشيد الصلح استقالة حكومته إلى الرئيس سليمان فرنجية (في 15/5/1975)، وأصبح رشيد الصلح رئيس حكومة تصريف الأعمال، تماما كما هو وضع رئيس الحكومة سعد الحريري الآن. وتشكل هذه الوقائع دعما لكل صاحب رأي يتحدث كيف أن التاريخ يكرر نفسه.

وإذا بقينا داخل عنصر التشابه السياسي بين الحدثين، نجد المستقيلين الآن يطالبون بمناقشة سياسية لتوجهات الدولة والحكم. ولم يكن الوضع عام 1975 ليختلف عن ذلك. ففي 26 أبريل من ذلك العام، قال السيد رشيد كرامي، رحمه الله، الذي كان مرشحا لتشكيل الحكومة، laquo;إن المطلوب الآن ليس تشكيل حكومة، وإنما تحديد سياسة لبنان من بعض القضايا الحساسة، وأبرزها تحديد الموقف من العمل الفدائي الفلسطينيraquo;. أي من laquo;المقاومةraquo; كما يقال الآن. وبهذا يقدم التشابه السياسي علامة فارقة جدا لكل من يؤمن بنظرية تكرار التاريخ.

لقد أدت أحداث عام 1975 إلى انفجار الحرب الأهلية اللبنانية، وما يخشاه الكل الآن هو أن تؤدي أحداث عام 2011 مرة ثانية إلى انفجار حرب أهلية جديدة.

وكما تلاقت في أحداث عام 1975، الأسباب الاجتماعية (احتكار الصيد) مع الأسباب السياسية (العمل الفدائي الفلسطيني)، تلتقي في أحداث عام 2011 الأسباب نفسها. فاجتماعيا يجري الحديث عن أزمة الكهرباء، وعن الدين العام، وسياسيا يجري الحديث عن laquo;المقاومةraquo; والموقف منها.

نقطة أخيرة.. لم يعرف أحد حتى الآن من اغتال معروف سعد، أو من أصدر أمر إطلاق النار باتجاهه.

إنه التاريخ يكرر نفسه. أو إنه التاريخ يكرر أحداثه بشكل مضحك. أو إنه التاريخ يطل على لبنان بمكره. ولكن الأهم من كل هذه النظريات هو البحث عن طريق يمنع انفجار الحرب الأهلية. فهل ستستطيع إرادة الإنسان أن تفعل ذلك؟