قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يوسف الكويليت

عدوانية المثقف عندما يبيع نفسه في مزاد سياسي خارجي أو داخلي، يصبح أخطر من الإرهابي ومروّج المخدرات لأنه قادر على التضليل بأسلوب الإقناع، وقد عايشنا مراحل بواكير الانقلابات في الخمسينيات وما بعدها، عندما نشر فكر السلطة القادرة على الاستقطاب والدفع المقدم وتزييف الحقائق حتى إن ميزانية إحدى الدول العربية التي نشرت بأرقام مبالغ بها، كذبتها مؤسسات وبنوك عالمية، كانت فضيحة ليس لمن نشر تلك الميزانية، وإنما لمن روّج لها وجعلها رقماً فلكياً يوازي مداخيل وإنفاق الدول العظمى..

المواطن العربي ظل سمعياً يؤثر فيه صوت المذياع، قبل الفضائيات والإنترنت، وحروف الجريدة والقصيدة العصماء التي تبشر بعظمة الزعيم والثورة، وتحرير العالم من أعداء الأمة والشعب، وهذا ما أبعد استقلالية المثقف ليكون ضمير نفسه وأمته، وقد لا يجوز التعميم حينما طُورد وحبس وأُعدم الكثيرون من أصحاب الرأي الذي لا ينافق، لكنهم ضاعوا في عجاج السلطات التي ظلت الصوت الواحد الذي غسل أدمغة المواطنين بمختلف طبقاتهم..

القيم التي يتحملها المثقف ترتبط بنزاهة سلوكه، وهي قضية تختلف من دول تحمي الحريات وأخرى تقمعها، لأن شرعية الكلمة توازي بنود الدساتير، لكنها في وطننا العربي أخذت مساراً آخر، فقد وظفت الصحافة المستوطنة والمهاجرة لأنْ تكون منابر لحروب عربية باردة تنشر وثائق كاذبة، وتكتب تحليلات وأفكاراً مضللة غالباً ما تناقضها عندما تدفع دولة أو سفارة أخرى مبلغاً أكبر، وفي خضم هذا التنافس غير الأخلاقي اكتشف المواطن العربي أنه ضحية أنظمة بوليسية طبّلت وزمرت لها عناصر لا تقل عن بطش قوى الأمن بقوى المعارضة..

قاد الفلاسفة والمفكرون والمثقفون الغربيون مرحلة النهضة، فكانت ولادة الحرية والديموقراطية، ونزع سلطة الكنيسة وكل الحكومات الدائرة في فلكها لتأتي الحضارة الأوروبية نظاماً يهدى لكل العالم بأنواره وركائزه على التفكير العقلاني، معتمداً مشروعاً طويلاً لازال قائماً وفاعلاً في معظم القارات..

مشكلتنا في الوطن العربي أننا في أميتنا أكثر شعوراً بالتمسك بالقيم والتعايش الاجتماعي، لكن بمضاعفات وعينا وثقافتنا ونزع أميتنا، صرنا أكثر تزلفاً وتزييفاً لروح المواطنة، بينما المفترض أن يكون الوعي، هو من يمتلك الحرية ويدافع عنها بروح المسؤولية لا بروح نشر ثقافة الوعي المزيف المنادي بالتقسيم والفصل بين المجتمعات مذهبياً أو قبلياً، ونسف العلاقات الاجتماعية بمفاهيم وآراء أقرب إلى الهمجية من تحرير العقل، لتصبح الأجيال يائسة بائسة أمام فوضى الأفكار التي صارت صوت الباطل بدلاً من الانحياز للإنسان وحريته وحقوقه والدفاع عن شرف الكلمة..

لقد شهدنا في مراحل عربية كيف أن الدكتاتوريات العسكرية، هي من صنع أجهزة المباحث ، وغيّب القانون واستقلالية القضاء، وكيف خلقت مزيفي الكلمة وقلب الحقائق إلى أكاذيب، وحتى الآن فإننا لا نزال نعيش غيبوبة طويلة لفك الحصار عن المثقف الحر الذي لا يماري ولا ينافق في موقفه الشريف..