قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بغداد - زيدان الربيعي


شهد الأسبوع الماضي عودة خطيرة جداً للتفجيرات الانتحارية أو المسيطر عليها عن بعد للشارع العراقي، حيث وقع تفجير مدينة تكريت الذي استهدف الكثير من المتطوعين الجدد في الأجهزة الأمنية والذي أدى إلى قتل وجرح العشرات من الشباب الذين كانوا يرومون التطوع، وبالمقابل تعرض الزائرون الذين توجهوا إلى محافظة كربلاء لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ldquo;رضي الله عنهماrdquo; إلى تفجير بسيارة مفخخة ما أدى إلى سقوط العشرات من الجرحى والقتلى، فضلاً عن إدخال الرعب في نفوس أفواج الزائرين الذين كانوا تلقوا تطمينات من قبل السلطات الأمنية لحمايتهم، ولم تكن هذه الاختراقات هي الوحيدة، إنما انفجر الكثير من العبوات في مناطق مختلفة من محافظات العراق مستهدفة الزائرين . بينما عادت مجدداً حالات إطلاق الصواريخ والهاونات على بعض المناطق في بغداد .

تعد هذه التفجيرات هي الأشد والأعنف منذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في الشهر الماضي . حيث ضمت هذه الحكومة التي سميت حكومة شراكة وطنية حقيقية كل القوى والأحزاب السياسية التي تؤمن بالعملية السياسية التي شكلها الحاكم المدني الأمريكي السابق بول بريمر في منتصف عام ،2003 الأمر الذي أثار الكثير من الأسئلة حول الجهات التي تقف وراء هذه الهجمات العنيفة جداً خصوصاً أنها استهدفت مدنيين ومن طيفين مختلفين، حيث إن الذي ينظر إلى الأماكن الجغرافية التي وقعت فيها التفجيرات الأخيرة، يجد أن الانفجار الأول قد وقع في مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين التي ولد فيها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتضم أغلبية سنية، في حين وقع الانفجار الثاني بالقرب من محافظة كربلاء التي تضم أغلبية شيعية، لذلك يستطيع المراقب الجيد للموقع الجغرافي للانفجارين المذكورين أن يشم رائحة الفتنة الطائفية من هذين الانفجارين، إذ ما زالت بعض الجهات السياسية المعارضة لكل الذي جرى في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له في عام 2003 تحاول أن تقوض العملية السياسية برمتها وتسقط الحكومة العراقية الجديدة من خلال هذه التفجيرات، لأن هذه التفجيرات ترسل رسائل مختلفة للعراقيين تشير إلى أن تحسن الوضع الأمني في العراق غير متوافر تماماً وأن الهدوء النسبي الذي حصل في عموم العراق بالجانب الأمني بعد تشكيل الحكومة ما هو إلا طيف عابر، لأن هذه الجهات ما زالت تظن أنها قادرة على إرباك الشارع العراقي بعمليات ليست نوعية وكما حصل في تكريت وكربلاء، لأن انفجار تكريت تم عبر قيام انتحاري بتفجير نفسه وسط حشود المتطوعين الجدد، لكن السؤال هنا أن هذا الانتحاري لم يكن يستطيع أن يخترق الحواجز الأمنية لولا حصول عمل تواطئي من قبل بعض الجهات الأمنية التي تتولى حماية مركز المتطوعين المذكور، بينما حصل انفجار كربلاء عبر تعاون بعض السكان من أهالي كربلاء مع المخطط والمنفذ للتفجيرات، حيث استطاعت القوى الأمنية أن تلقي القبض عليهم وتعرضهم على بعض وسائل الإعلام، حيث اعترفوا بأنهم ممولون من قبل تنظيم ldquo;القاعدةrdquo; الذي يهدف إلى زرع فتنة طائفية جديدة في البلد، لأن هذه الفتنة هي التي تساعد الجهات المعارضة للحكومة العراقية، وكذلك إلى العملية السياسية في تطوير عملها داخل الساحة العراقية خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً أن تنظيم القاعدة في العراق قد خسر الكثير من قياداته في العامين الأخيرين . بينما تؤكد السلطات الأمنية العراقية أن تنظيم القاعدة وبقايا النظام العراقي السابق يحاولان الآن بكل الطرق إيجاد موطئ قدم لهما في الساحة العراقية وتأكيد حضورهما فيها من خلال بعض العمليات التي عادة تستهدف المدنيين الأبرياء ومن كل أطياف الشعب العراقي .

أسباب التفجيرات

إن هناك أسباباً عديدة أسهمت بحصول التفجيرات الأخيرة منها ما يتعلق بالحكومة العراقية الجديدة ومنها ما له صلة ببعض الجهات السياسية المشاركة في الحكومة، وهناك جهات أخرى تحاول تقويض عمل الحكومة الجديدة حتى لا تحقق بعض الإنجازات التي وعدت الشعب العراقي بها، بينما هناك جهات أخرى تحاول توجيه إنذار أولي إلى الزعماء والقادة والملوك العرب قبل انعقاد القمة العربية المقبلة المزمع عقدها في بغداد نهاية شهر مارس/آذار المقبل .

فالحكومة العراقية التي ما زالت غير مكتملة إلى حد هذه اللحظة بسبب وجود خلافات بين القوى السياسية حول الأشخاص الذين سيتولون مهمة استلام الوزارات الأمنية ldquo;الداخلية، الدفاع، الأمن الوطنيrdquo;، حيث أدى تأخير تسمية الوزراء الأمنيين إلى فتح فرصة أمام الجهات المعادية للحكومة وللعملية السياسية وهذه الفرصة تتمثل في استغلال كل هدف ممكن الوصول إليه حتى ترسل رسائل إلى الجميع بأن الوضع الأمني في بلاد ما بين النهرين ما زال غير مستتب، وإن الجهات الأمنية رغم التطور الكبير الذي حصل في عملها ما زالت مخترقة من هذه الجهة أو تلك، وهناك سبب آخر يتمثل في أن بعض الجهات السياسية بدأت تضغط على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لكي يقبل بمرشحيها للوزارات الأمنية بعد أن سبق للمالكي أن رفض أكثر من مرشح لأسباب مختلفة، لذلك استغلت هذه الجهات التفجيرات الأخيرة لكي تقوم باتهام الحكومة بأنها غير قادرة على إدارة الملف الأمني الذي ما زال يدار بشكل شخصي من قبل المالكي نفسه .

كذلك فإن الحكومة العراقية تتخذ التدابير اللازمة لمنع الخروقات المتكررة التي تحصل في أجهزتها الأمنية رغم أنها تؤكد باستمرار أنها قامت بتعزيز الجهد الاستخباري لكشف المتورطين من عناصر الأجهزة الأمنية المختلفة بالتعاون مع الجهات المناوئة للحكومة وللعملية السياسية في آن واحد . كما أن الحكومة العراقية التي لم تنجح لغاية الآن في إيجاد وسائل كشف متطورة جداً للمواد المتفجرة رغم صرفها الكثير من الأموال لاستيراد ما يسمى جهاز ldquo;السونار الكاشف للمتفجراتrdquo; إلا أن الكثير من العمليات النوعية وغير النوعية التي قام بها المعادون للحكومة العراقية قد مرت على هذه الأجهزة ولم يتم كشفها، الأمر الذي جعل المواطن العراقي لا يثق كثيراً بrdquo;السونارrdquo; ولا حتى بكثير من العناصر الأمنية الذين يعملون عليه، لأن الجهاز غير فعال من ناحية ومن ناحية أخرى فإن العناصر الأمنية لا تجيد الطريقة الصحيحة التي يعمل بها هذا الجهاز بحسب تأكيد اللواء جهاد الجابري، مدير جهاز مكافحة المتفجرات في أكثر من موقع وأكثر من مناسبة .

وقد لاحظ المتابعون للشأن العراقي أن هناك حالة من التشفي أو الفرح من قبل بعض الجهات السياسية المشاركة في الحكومة العراقية الجديدة أو من قبل الجهات التي ما زالت تعارضها لغاية الآن، حيث أصدرت هذه الجهات بيانات رسمية اختلفت لهجتها باختلاف توجه هذه الجهة أو تلك من الحكومة . فقد قامت بعض الجهات المشاركة مشاركة حقيقية وفاعلة في الحكومة الجديدة بانتقاد الحكومة واتهامها بالتقصير في معالجة الخروقات العديدة والمتكررة التي تحصل في الملف الأمني، داعية إلى تلافي كل الأخطاء السابقة وعدم السماح بتكرارها في المستقبل ومطالبة بالوقت نفسه رئيس الحكومة بالإسراع بتسمية الوزراء الأمنيين حتى يتولوا بأنفسهم وضع خطط واستراتيجيات جديدة تعيد النشاط والهمة إلى الأجهزة الأمنية من جديد، لأن هذه الأجهزة باتت متعبة ومرهقة جداً كونها ترابط في أماكن محددة لمدد غير قصيرة . ويتضح من هذه الدعوة أن الجهات السياسية ما زالت غير منسجمة مع الحكومة الجديدة رغم موقعها المهم في العديد من مفاصل هذه الحكومة، فضلاً عن ذلك تبين من خلال هذه الدعوة أن هذه الجهات السياسية ما زالت تطمح في داخلها ألا تنجح حكومة المالكي في تحسين الوضع الأمني في البلد، لأن هذا التحسن إذا حصل حسب اعتقادها سيؤدي إلى بقاء حزب المالكي ldquo;حزب الدعوة الإسلاميةrdquo; في قيادة الحكومات الجديدة في المستقبل وترى أن هذا البقاء لا يؤدي إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعددية في البلد . لذلك فإن هذه الجهات أو بتعبير أدق بعض الأطراف فيها تتمنى أن تحصل إخفاقات أمنية واقتصادية وسياسية في البلد خلال الأشهر المقبلة، لعل هذه الإخفاقات تؤدي إلى سحب الثقة عن حكومة المالكي وتشكيل حكومة جديدة تصحح المسار الذي تعتقد هذه الجهات أنه انحرف عن مبادئه الدستورية والقانونية والانتخابية بفعل فاعل . لذلك فإن صراع الحكومة الجديدة مع بعض الجهات السياسية المشاركة فيها يمثل تراجعاً خطيراً للغاية للكثير من طموحات المواطن العراقي الذي كان يعتقد ويتمنى انتهاء أعمال العنف بكل أشكالها من الشارع العراقي بعد تشكيل الحكومة الجديدة، على اعتبار أن هذه الحكومة قد ضمت جميع الأطراف السياسية المشاركة في العملية السياسية، لأن المواطن العراقي يعتقد أن نجاح الحكومة في كل الملفات هو نجاح لكل القوى السياسية المشاركة فيها، وكذلك فإن الفشل الذي يتخلل عملها يحسب على هذه الجهات وليس بالضرورة على رئيس الحكومة، إلا أن بعض القوى السياسية المشاركة في الحكومة لا تؤمن بهذا الاعتقاد لأسباب ومبررات هي مقتنعة بها .

أما الجهات المعارضة لكل تقلبات العملية السياسية التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق فإنها وجدت فرصة جيدة في هذه التفجيرات لكي تطلق العنان لوسائل إعلامها ولمحلليها السياسيين والاستراتيجيين بانتقاد الحكومة، حيث هاجمت هذه الجهات الحكومة العراقية بكل مفاصلها واتهمتها بالوقوف وراء التفجيرات الأخيرة التي حصلت في تكريت وكربلاء، لكن الواقع يشير إلى أن هذه الجهات لم تعد تمتلك ذلك الرصيد القوي في الشارع العراقي، بعد أن ضمت الحكومة الجديدة كل الأطياف والقوى السياسية العراقية في تشكيلتها، إلا أن هذه الجهات تحاول بشكل وآخر التأكيد على أن المتفائلين بتحسن الوضع الأمني في العراق يبالغون، وأن هناك جهات ما زالت تمتلك القدرة على زعزعة الوضع الأمني في البلد متى أرادت، لأن هذه الجهات دعت وبشكل صريح القادة والزعماء والملوك العرب إلى عدم المشاركة في القمة العربية المقبلة في بغداد، حيث ترى هذه الجهات أن انعقاد القمة العربية المرتقبة في عاصمة الرشيد سيمثل طفرة نوعية للعملية السياسية ويقوي علاقاتها مع المحيط العربي من جانب ومن جانب آخر يضعف تواجد هذه الجهات في بعض العواصم العربية .

ويلاحظ من بيانات هذه الجهات التي تصدر بعد كل تفجير أنها تحمل حكومة المالكي المسؤولية، من دون أن تتهم جهات أخرى تعلن مسؤوليتها باستمرار عن القيام بتنفيذ هذه التفجيرات، لذلك فإن بيانات هذه الجهات لم تعد تأخذ ذلك الصدى الكبير الذي كانت تحظى به في السنوات الأولى للاحتلال، لكنها تواصل نقد واتهام حكومة المالكي لعلها تحقق البعض من طموحاتها في إفشال مهمة الحكومة وتقويض العملية السياسية .

رؤية جديدة

إن التفجيرات الجديدة التي حصلت في الأسبوع الماضي والتي قد تحصل في المستقبل ستؤدي من دون أدنى شك إلى مقتل وإصابة العديد من العراقيين الأبرياء الذين يبحثون عن لقمة عيشهم وسط ظروف بلدهم غير المستقرة، إلا أن منفذيها لن يستطيعوا تغيير أي شيء يذكر في المعادلة الراهنة وهذا الأمر ليس دفاعاً عن الحكومة أو عن الجهات السياسية المشاركة فيها أو محاولة لإحباط معنويات الجهات المعارضة للوضع العراقي برمته بعد الاحتلال، إنما هو من صميم الواقع العراقي الراهن الذي يستطيع أي متتبع جيد له وينظر بعين حيادية إليه أن يؤكد هذه الحقيقة . والدليل على هذا الاعتقاد أو القول هو أن كل المحاولات التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في الشارع العراقي لم تكن مؤثرة في الحكومة العراقية ولا في أجهزتها الأمنية المختلفة، لأننا لم نر ومنذ زمن ليس بالقصير أية قوة تستطيع احتلال مكان لنقطة تفتيش أمنية لمدة أكثر من ساعة أو تقوم باحتلال شارع معين أو إسقاط مدينة بأيديها أو تؤدي إلى قطع شارع عام يربط بعض المحافظات والمدن العراقية في ما بينها . ما يعني أن كل العمليات التي حصلت مؤخراً وستحصل في المستقبل لن تكون قادرة على التغيير، لكنها كما ذكرت ستؤدي إلى حصد أرواح الأبرياء وهذا الأمر سيزيد من نقمة العراقيين على الجهات المنفذة وهذه النقمة ستساعد في الحد من عملياتهم في المستقبل، والدليل على ذلك أن الكثير من منفذي العمليات التي تستهدف الأجهزة المختلفة والمواطنين العراقيين في كل المحافظات سرعان ما يقعون في قبضة الأجهزة الأمنية ومن أبرز هؤلاء الذين استخدموا المسدسات التي تحمل كاتماً للصوت وقتلوا من خلالها الكثير من موظفي الدولة العراقية والأجهزة الأمنية المختلفة، لكن المشكلة في هذا الأمر أن هؤلاء لا تتم محاكمتهم بالسرعة التي تتماشى مع ما ارتكبوه من أعمال بحق المواطنين، ما ساعد على هروب أو تهريب بعضهم من السجون والمعتقلات العراقية . وفي الوقت ذاته فإن كثرة التفجيرات ستزيد أيضاً من نقمة الشارع العراقي على الحكومة العراقية برمتها وعلى الأجهزة الأمنية بشكل خاص . لذلك فإن الأجهزة الأمنية العراقية وبحسب بعض قادتها بدأت تتطور من خططها واستراتيجياتها وفق التطور الحاصل في عمل الجهات التي تتولى عمليات التفجيرات والاغتيالات وذلك وفق قاعدة لكل فعل رد فعل، لأنها من دون هذا التطور ستسقط صريعة بالضربة القاضية أمام هذه الجهات .

الاستقرار السياسي

إن الاستقرار السياسي في البلد ينعكس بشكل إيجابي جداً على استقرار الوضع الأمني وتطور أساليب الأجهزة الأمنية في الدفاع عن أمن المواطنين وكذلك في الدفاع عن الدستور العراقي والعملية السياسية . لذلك إذا أرادت الحكومة العراقية الجديدة وهي تضم في دفتها أغلب قادة الكتل السياسية في البلد أن تعزز عامل الثقة والاطمئنان في المحاور السياسية وأن تزيل عن فكرها وعن قاموسها عملية الغالب والمغلوب فإنها ستنجح في الكثير من الملفات، لأن تعزيز الثقة بين المكونات السياسية سيؤدي إلى الاستقرار السياسي، والاستقرار السياسي يقود بالنهاية إلى الاستقرار الأمني والاستقرار الأمني يؤدي إلى حصول تطور كبير جداً في ملف الخدمات المختلفة التي تقدم للمواطن، حيث ما زال ملف الخدمات يعاني من الكثير من الإهمال والقصور في عمله، وكذلك فإن الاستقرار الأمني يساعد على زيادة برامج التنمية في البلد ويخفف البطالة التي تفشت بشكل غير مسبوق في العراق بعد الاحتلال وأيضاً يؤدي إلى حصول عملية انتعاش كبيرة جداً في الاقتصاد العراقي الذي ما زال يعاني من مشكلات كبيرة في عمله بسبب خشية المستثمرين العرب والأجانب من الاستثمار في العراق، لأنهم يخشون من احتمال حصول نكسة كبيرة في الوضع الأمني.