قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

زيّان

عندما دخل الرئيس فؤاد شهاب الصالون الكبير في قصر الذوق، حيث كان ينتظره وفد التجّار والصناعيين والمستوردين، أومأ الى النائب يوسف سالم أن يقترب منه.
ففعل. فسأله ما عدد أعضاء الوفد، فابتسم سالم قائلاً سأعدّهم. فعدَّهم وأبلغه.
بعد انتهاء الاجتماع وانصراف الوفد، اقترب سالم من الرئيس وسأله: خير، شو القصة يا فخامة الرئيس؟
أجابه شهاب بأسلوبه المشهور: أردت معرفة عدد جماعة الخمسة في المئة الذين يتحدَّث عنهم كمال بك (جنبلاط) في خطبه وبياناته.
وقبل أن يهمّ سالم بالخروج، سأله شهاب: هل تتفقّدون المحتاجين والمسنّين والمقطوعين والمشلوحين في القرى البعيدة؟
أَسقط في يد سالم، وارتبك، فقال له شهاب: لا داعي للاحراج يا يوسف، معلوماتي تقول انكم تطبٍّقون المثل القائل: كل من يا رب نفسي.
في اليوم التالي كانت جلسة مجلس الوزراء وكان الرئيس رشيد كرامي على رأس الحكومة. فطلب شهاب من الاستاذ الياس (سركيس) أن يضيف الى جدول الأعمال موضوعين: اعادة النظر في قانون الضرائب، وتشكيل لجنة لدرس أوضاع ما كان يُسمَّى مجاهل الجمهورية، جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً...
لو عاد الرئيس شهاب اليوم الى قصر الذوق وعاد ذلك الوفد ومعه يوسف سالم، لكانت غضبة شهاب مضاعفة، ولكان أقال وزراءً وموظفين كبارا، ولأعاد النظر مرة أخرى في قانون الضرائب وخصوصاً بالنسبة الى النصوص المتعلقة بجماعة الخمسة في المئة الذين ضوعفت أعدادهم بالمئات والآلاف.
هذه الواقعة يعود تاريخها الى ما يقارب نصف قرن، فهل تغيَّر الكثير أو حتى القليل من واقع الحرمان والاهمال والاستلشاق بالمناطق المحرومة، وquot;المجاهلquot; التي تكاد تنسى الكهرباء والماء وكل ما يتصل بالأنماء والعناية والطبابة والعيش الكريم، حتى في حدوده الدنيا.
ولولا الهجمة المضريَّة التي قادها بجدارة وشجاعة الوزير غازي العريضي، لبقيت الطرق في ثلاثة أرباع الجمهورية السعيدة تجهل كيف يكون الزفت الذي يشبٍّهون حياة كثيرين به.
حكومات تأتي وتذهب لتأتي سواها، ولتستقبلها الأزمات والأعاصير السياسية المدبَّرة والمفتعلة، ولتحاصرها الخلافات والمشاكل العرقوبية من جميع الجهات.
فيما يمعن الحرمان ويوسٍّع انتشاره، وفيما يشلُّ التعطيل دورة الحياة، ودورة الانتاج، ودورة الاقتصاد، وحتى دورة الدماء في الأجساد.
ولا مَنْ يهتم، ولا مَنْ يبالي، ولا مَنْ يهتز له جفن، ولا من يحرٍّك إصبعاً إلا في اتجاه التهديد بالمزيد من الخربطة والتعطيل والعرقلة وخراب البيوت والمؤسسات والمصالح.
كم وكم وكم من المطالب والمشاريع الانمائية والحياتية والصحية والانمائية تنتظر الفرج والرحمة منذ سنين.
وكم وكم وكم من التعيينات والتشكيلات والمراكز الخالية تنتظر مَنْ يحنُّ عليها بالتفاتة غير عابرة؟
وكم وكم وكم؟
فالى متى تؤلٍّف الحكومات لنغرقها في بحر المقاومة وسلاحها وجيشها ودويلتها ومربعاتها، بينما يئن الناس من جور الدهر عليهم، وتئن المناطق من قهر الحرمان لها؟
أما آن لهذا الفارس، لهذا البلد المكسور أن يترجل؟
على هذه الأسس يجب أن تُبنى الحكومة العتيدة.