عصام نعمان

كم عزيزة هي السلطة عند العرب، السلطة هي جائزة الحياة الكبرى، بل هي الحياة ذاتها، الحياة بمعنى الحضور الدائم والامتلاء الماتع بكل ما هو ساطع ورائع ومميّز . كل لذائذ الحياة يمكن تلخيصها في متعة واحدة: السلطة .

هل السلطة ثمينة عند سائر الأمم كما عندنا؟

ربما، لكن التماسها والتمسك بها والموت في سبيلها لم تستمر، بهذا الشكل الجنوني، عند إحداها أربعة عشر قرناً كما عندنا .

قيل إن بني ldquo;إسرائيلrdquo; قتلةُ أنبيائهم . لسنا أحسن منهم . فقد قتلنا ثلاثة من خلفاء الرسول (ص) الراشدين الأربعة كانوا من خيرة صحابته ورفاق جهاده، ناهيك عن غيرهم ممن قُتلوا، لاحقاً، غيلة أو قَتلوا مئات الآلاف من بني قومهم طمعاً بسدة عرش أو رياسة أو جاه دنيوي أو مصالح مادية .

يهون الأمر، في عرف بعض الثوريين والديمقراطيين، لو حدث وتكرر في أوساط علية القوم من أهل الملك والصدارة، إذ يتحوّل عندهم موضوعاً للشجب والإدانة أو للتهكم والسخرية، لكن ما رأيهم وقد أضحى التماس السلطة وتقديس الرياسة والتمسك بها والتضحية بالغالي والنفيس من أجلها عادةً غالبة وتقليداً راسخاً عند جل المنادين بالثورة والديمقراطية، إن لم يكن عند كلهم؟

إن زين العابدين بن علي، وهو نموذج حديث عن فئة الحكام التقليديين القدامى، الذي لم يتورع، مع أهله وأصحابه وجلاوزته، عن القمع والقتل والتعذيب والسرقة والنهب والتخريب ثلاثاً وعشرين سنة ليحتفظ بالسلطة ويتمتع بلذائذها ومكاسبها، لم يدفع به يوماً جنونه بالسلطة إلى التنازل عن شبر واحد من أرض بلاده للغير، أياً كان وفي أي زمان .

ترى، ما دهى أهل السلطة الفلسطينية، ممن جاهدوا وكافحوا وظهروا، أو أظهروا أنفسهم، بأحلى مظاهر الجهاد، يتخلّون مختارين عن ساحات الكفاح ويلجون طائعين كواليس المفاوضات مع عتاة الصهاينة المتطرفين، ويقدّمون لهم من التنازلات ما لم يجرؤ كبار الحاكمين التقليديين على تقديم ما هو أدنى منها قيمةً ودلالة؟

تنازلات موثقة ومسجلة تناولت شتى المقدسات والحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف شملت في القدس الشرقية، حرماً شريفاً وأحياء عربية وأرمنية، وفي الضفة مساحاتٍ شاسعة افترستها مستوطنات ومعسكرات، وفي قضية اللاجئين تنازلاً عن حق العودة لقاء الاكتفاء بعودة بائسة قوامها عشرة الآف لاجيء سنوياً لمدة عشر سنوات، وعن الهوية تنازلاً فاقعاً بأن يُسمي الكيان الصهيوني نفسه ldquo;ldquo;إسرائيلrdquo; اليهوديةrdquo; متى شاء، وفي الأمن الوقائي التزاماً مفتوحاً بالمشاركة في قتل كبار قادة المقاومة المسلحة من ldquo;فتحrdquo; وrdquo;حماسrdquo; وسواهما، لدرجة أن كبيراً من كبراء السلطة الفلسطينية قال في اجتماع ضمه في 22/6/2005 مع رئيس وزراء ldquo;إسرائيلrdquo; آنذاك أرييل شارون: ldquo;إن كل رصاصة توجه إلى ldquo;إسرائيلrdquo; هي رصاصة موجهة إلى الفلسطينيين أيضاًrdquo; ! بل إن كبير المفاوضين من جماعة السلطة قال لنظيره ldquo;الإسرائيليrdquo;: ldquo;إني على استعداد لأفعل أي شيء باستثناء أن أصبح صهيونياًrdquo; .

هل من تفسير لدى أهل السلطة لهذه التنازلات المذهلة غير هوى السلطة؟

قيل إن الوثائق المكشوفة مجتزأة، وقيل إنها مقتطعة من سياقها، وقيل إنها غير نهائية وإن أي اتفاق ينجم عنها خاضع لاستفتاء عام قبل التزامها، وقيل إنها وسيلة سياسية للمناورة والأخذ والعطاء، وقيل إنها مجرد ldquo;خداع سياسيrdquo; ولا وزن لها .

قيل الكثير في تفسير هذه السلوكية- الظاهرة التي تبدّت في الوثائق الدامغة، لكن الحقيقة تبقى واحدة، ساطعة وناطقة: إنها السلطة والبقاء في ldquo;جنتهاrdquo;، ما دفع أهل السلطة إلى قول ما قالوه وإلى ارتكاب ما فعلوه بدم بارد وبلا رفة جفن .

السلطة هي القيمة العليا، هي الجائزة الكبرى، هي الحياة ذاتها التي تهون من أجلها كل التضحيات حتى لو اقتضى الأمر التضحية بالأرض والوطن .

إذا كان الأمر كذلك، فما سر هذا الإصرار على الاستمرار في مفاوضة ldquo;الإسرائيليينrdquo; رغم كل الكذب والخداع والمماطلة والمخاتلة والتراجع والنكوص الذي مارسوه في المفاوضات الماراثونية التي تجاوزت العشرين من السنين العجاف؟

ما سر هذا التمسك الصارم باستمرار أهل السلطة في مفاوضة العدو، رغم موقف ldquo;إسرائيلrdquo; الحاسم الذي صارحتهم به وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني بقولها: ldquo;لا أريد أن أخدع أحداً . لن يكون هناك أي مسؤول ldquo;إسرائيليrdquo; يؤيد عودة اللاجئين إلى ldquo;إسرائيلrdquo;rdquo;؟

الجواب: لأن ليس لدى أهل السلطة ما يشغل بالهم غير البقاء فيها . من دونها هم عاطلون من العمل ومن الوجاهة ومن الحماية . فيها يكونون، بفضل جيش الاحتلال، بمأمن، أو هكذا يظنون، من الشعب والمقاومة . وماذا تكون النتيجة؟

تبقى فلسطين، أقله الضفة الغربية، تحت احتلال مقنّع، يعتمر كوفية فلسطينية . وتبقى غزة محاصرة ومهددة بالاجتياح كل يوم، ويبقى اللاجئون مشردين تحت كل كوكب .

أيها الفلسطينيون، عودوا إلى المقاومة . أن تكون المقاومة الميدانية صعبة اليوم فإن المقاومة المدنية متاحة في كل يوم . هل نسيتم انتفاضة أطفال الحجارة؟ هل نسيتم أنها أعادت فلسطين إلى خريطة اهتمام الأمم والدول، وليس مناضلو المفاوضات والصالونات والكراسي الوثيرة؟