قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد خليفة

يعد التعذيب جريمة بحق الإنسانية لا يمكن تبريرها لما فيها من إهدار لحقوق الفرد وكرامته، وجريمة بحق البشرية، فكل فرد يفكر تفكيراً سليماً لا يمكنه تعذيب أي إنسان آخر، وفور أن يقع الإنسان في آلية تعذيب الأشخاص الآخرين يضيع حقاً، لأن الخوف يكون الأساس الذي يستند إليه التعذيب، خاصة أن الحضارة الإنسانية تبدو مغطاة بمظاهر خداعة، فإذا ما خُدشت تجد عنصر الخوف كامناً تحتها . ومن المحزن أن يطبق التعذيب إلى الوقت الحاضر بالرغم من أنه يبرر على أنه نوع من العقاب، وقد جذبت حرفة التعذيب البشر الساديين الذين يحبون تعذيب الآخرين والاستمتاع بإيذاهم وإيلامهم نتيجة حالات القلق والتناقضات التي يعاني منها مجتمع فقد توازنه على صعيد الذات الداخلية في الإدارة المعكوسة المهددة مع شعور تسيطر فيه بكل حال فكرة الإضرار بالتكامل التام على الصعيد السيمياء والتحولات المازوشية التي لا تستند إلى وقائع ثابتة أخلاقية أو دينية، وتؤدي إلى بشاعة الظالم حيث تسحره قدرته على ظلم الناس بما يملكه من سلطة أو مال أو قوة أو يخدمه وجوده في موقعه، فيستسهل الظلم ويمارسه من دون تفكير عقلي أو ضمير أخلاقي، والله سبحانه وتعالى جعل دعوة المظلوم ليس بينها وبينه حجاب، ألم يُجب دعوة المظلوم بقوله (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، وحذر الرسول الكريم بقوله (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة) .

فقد تابع الناس عبر الصحف والوكالات يوم 14/1/2011 وبصوت مشوب بالندم والعبارات الملتهبة اعتذار وزيرالداخلية الكويتي الشيخ جابر الخالد الصباح وهو يعلن في بيانه استقالته في ضوء العقل والمنطق وقناعاته الذاتية المتجسدة بكل قانون أخلاقي وبالروح العالية ليس لحزنه الشخصي بل حزن إنساني أكبر من أن يحتمل أو يتسع حتى يطوي الموج في البحر، عندما قال ldquo;تقدمت باستقالتي تحملاً لمسؤولياتي وواجباتي، وإنه لا يشرفني البقاء في وزارة تعذب المواطنينrdquo;، وذلك بعد أن أثبت الطب الشرعي الشبهة الجنائية وراء وفاة المواطن الكويتي محمد المطيري . وبناء عليه أعلن وزير شؤون مجلس الوزراء روضان الروضان أن الإجراءات الحكومية تجسد حرصها على الشفافية الكاملة في التعامل مع مختلف القضايا وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، وأن الحكومة الكويتية ستتعاون بجدية وشفافية مع اللجنة البرلمانية المشكلة للتحقيق في الوفاة .

في يوم 26/6/،2010 صرح بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة لمناسبة اليوم العالمي لضحايا التعذيب: ldquo;أن التعذيب جريمة، وحظرها واضح ومبدئي . . ورغم ذلك فإن التعذيب لا يزال يستغل ويسكت عنه في الكثير من الدول ويظل الجناة بدون عقوبة ولا تزال ضحاياه تعانيrdquo; . وبالرغم من توقيع العديد من الدول على هذه الاتفاقيات إلا أن بيانات منظمة العفو الدولية تشير إلى أن معظم الدول الموقعة لا تلتزم بتطبيق البنود الواردة في المعاهدات المذكورة، في حين لم توقع العديد من الدول ومن بينها ميانمار وكوريا الشمالية على ميثاق الأمم المتحدة ضد التعذيب ما جعل بان كي مون يطالب تلك الدول بالانضمام لمعاهدة مناهضة التعذيب والسماح لمراقبي الأمم المتحدة بتفتيش سجونها .

وقد نشرت منظمة ldquo;التحرك المسيحي لإلغاء التعذيبrdquo; (اكات) غير الحكومية التي تأسست عام 1974 تقريراً في ديسمبر ،2010 ولاحظت في تقريرها المعنون ب ldquo;عالم معذبrdquo; الذي شمل 22 بلداً أن التعذيب لا يزال ممارسة مزمنة ومنتشرة في العالم، وإن أكثر من نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تمارس طرائق تعذيب بشكل فظ . وأشار التقرير إلى أن الأنظمة الدكتاتورية في دول إفريقية مثل زيمبابوي وإثيوبيا وإريتريا وغينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو الديمقراطية تجعل التعذيب وسيلة حقيقية للتحقيق والقمع في يد النظام الأمني، كما لايزال اللجوء إلى الطرائق العنيفة لا سيما التعذيب منتشراً لدى قوات الأمن في بعض دول أمريكا اللاتينية . ولم يغفل التقرير بعض الأنظمة الديمقراطية الغربية بما فيها إسبانيا لممارستها نظام الاحتجاز الذي يمنع السجين من الاتصال بشخص خارج مكان اعتقاله وما يترتب عن ذلك من سوء في معاملة، وفرنسا لسياستها العقابية واكتظاظ سجونها .

ورغم المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي تم الإعلان عنها بتاريخ 10 ديسمبر ،1948 ومواثيق جنيف المعترف بها دولياً وجهود المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية الحثيثة، استمر التعذيب إلى يومنا هذا، ولا يزال يعد مشكلة مؤرقة وواسعة الانتشار، وتمارس ضد المشتبه بارتكابهم جرائم محددة وضد المعارضين السياسيين وأسرى الحروب . وقد عملت منظمة العفو الدولية على مدى العقود الماضية بالإبلاغ عن حالات التعذيب التي تحصل في العالم واتخاذ الإجراءات الضرورية لمقاومة التعذيب ضد الأفراد والشعوب الذين يفترض أن توفر لهم حكوماتهم الحماية اللازمة . وفي عام 1973 بدأت منظمة العفو الدولية أول حملة دولية ضد التعذيب التي توجت في عام 1987 بإبرام ميثاق الأمم المتحدة ضد التعذيب، وأصبح الميثاق الأممي ساري المفعول منذ ذلك الحين بعد أن صدقت عليه أول عشرين دولة، وتم بموجبه تأسيس لجنة ضد التعذيب في جنيف، لكن سلطة هذه اللجنة في التحقيق في المعلومات التي تتلقاها بما يشير إلى حدوث تعذيب ظلت فعلياً مقيدة ومحدودة، ونتيجة لذلك جددت منظمة العفو الدولية حملتها بحيث أعدت شبكة من المنظمات غير الحكومية تعمل على جمع الادعاءات الخاصة بحصول أعمال تعذيب وتقدم تقاريرها بهذا الشأن سنوياً إلى لجنة حقوق الإنسان، وتواصل المنظمة طرح المبادرة تلو الأخرى من أجل منع التعذيب ولفت أنظار الرأي العام الدولي وحث المزيد من التفكير، حيث أحرزت إجراءاتها تقدماً من مجرد الإدانة إلى الطلب من الدول المعنية باتخاذ الخطوات اللازمة لمنع ذلك التعذيب في أراضيها .

إن التعذيب من سلبيات الماضي ومهما كانت تبريراته فهو نوع من أنواع العنف والقسوة، وهو ممقوت أخلاقياً ودينياً بكل صوره وأشكاله، ولا يمثل صفحة مشرقة من تاريخ الشعوب والدول المتحضرة . وعلى الأمم تجنب المظالم والتعذيب وألا تسمح بأن يعلو الزيف والرقاعة أو الفوضى واللامسؤولية بحيث لا يؤدي إلى فساد وهوان الأمة، وعندما تهون الأمة أية أمة وتضعف وينتشر فيها الظلم، فإن الضعف لا يسير على بعض أجزائها فحسب بل يشمل كل أجزائها ويؤدي إلى انقسام المجتمعات وتشرذمها، وما نشهده اليوم في وطننا العربي هو مقدمات على بلدان عربية أخرى قد تؤدي إلى كوارث وتفكيك أخلاقي وسياسي بكل أشكاله وأبعاده وظلماته .