قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

طلال عوكل

على الرغم من أن قناة الجزيرة تعتمد لبضعة أيام، لفت أنظار المشاهدين، تقديماً لحملتها كشف المستور، وبالرغم من تعمدها توزيع ألف وستمائة وثيقة من ملف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، على حلقات متتابعة كل منها تحت عنوان محدد، إلا أن تلك الحملة ابتعدت كثيراً عن المهنية الإعلامية، لتتخذ طابعاً سياسياً بامتياز.

لا تنقص laquo;قناة الجزيرةraquo;، الشهرة واتساع انتشارها، حيث تحظى بصدارة الفضائيات العربية الرسمية والشعبية من حيث المشاهدة، والتأثير. لكنها أيضاً بنشرها ما اعتبرته وثائق سرية لم تسجل خبطة إعلامية ذات مردود تتوقع أن يكون إيجابياً لصالح القناة وشهرتها.

وبغض النظر عن الطريقة التي تمكنت القناة من خلالها، الحصول على الوثائق والخرائط التي لا تمثل سوى جزء يسير من عشرات آلاف الوثائق التي تتصل بالمفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية على مدار نحو عشرين عاماً، وذلك أمر ليس بالعسير، إلا أن طريقة وتوقيت النشر، تلقي بعلامة بل بعلامات استفهام حول دوافع هذا النشر الذي يتخذ طابع الحملة الإعلامية المركزة والمتواصلة.

المتابعون للشأن السياسي، ولكل مجريات العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية المضطربة، وسياق المفاوضات التي جرت وتجري بين الطرفين، لم يصابوا بالدهشة ولم تأخذهم المفاجأة حين علموا بأن السلطة الفلسطينية والمفاوض الفلسطيني لديه الاستعداد لتقديم تنازلات بهذا القدر أو ذلك، عن الثوابت الوطنية التي تتشكل منها وعلى أساسها قضايا ملف المفاوضات الدائمة.

منذ زمن ليس بالقصير، والكل يدرك بأن الثوابت الفلسطينية المعروفة، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران ‬1967، وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي شردوا منها، إنما تشكل سقف الحقوق الفلسطينية التي يسعى الفلسطينيون إلى انتزاعها، ويحلمون بتحقيقها عبر المفاوضات. المسألة هنا تتصل بموازين القوى بمعناها الشامل بما في ذلك الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية، وهي موازين تختل بشكل واضح لصالح الكيان الصهيوني، وبالتالي فإن الفلسطينيين لن يحصلوا من التسوية إلا بمقدار ما يساوي وزنهم وإمكانياتهم على الأرض.

مع مرور المزيد من السنوات، وفي ظل سياسة إسرائيلية تعمل على الأرض وتقيم المستوطنات والتهويد المتسارع، وفي ضوء تعاجز الوضع العربي، والانقسام الفلسطيني، فإن الفلسطينيين يصبحون أكثر ضعفاً وأقل قدرة على الاحتفاظ بثوابتهم الوطنية.

إن من يختار استراتيجية السلام والتفاوض يدرك هذه الحقيقة التي ينكرها فقط، القدريون والمتوكلون على الله وحده، وعلى حتمية التاريخ، وينكرها أيضاً المزايدون والراكضون خلف الشعارات الرنانة، والاستراتيجيات والخيارات العدمية.

ويدرك هذه الحقيقة أيضاً وأيضاً صناع السياسة في قناة الجزيرة الفضائية، وفي أي محفل إعلامي أو سياسي يتابع ولو بالحد الأدنى مجريات وتطورات الأوضاع السياسية في فلسطين أو في غيرها.

نعلم ويعلم العامة، أن المفاوض الفلسطيني أيام المرحوم ياسر عرفات أقر بمبدأ تبادلية الأراضي، وذلك في قمة تفاهمات طابا عام ‬2001، والتي تخلى عنها إيهود باراك الذي كان رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك.

ونعلم ويعلم العامة، أن المرجعية التفاوضية حول موضوع اللاجئين تستند إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام ‬1947، والذي يحمل الرقم ‬194، وترفضه إسرائيل رفضاً قاطعاً، وإلى مرجعية مبادرة السلام العربية التي نصت على حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وأيضاً إلى تفاهمات طابا التي سجلت استعداد المفاوض للتعامل مع هذا الحق جزئياً وبشكل محدود.

أما موضوع القدس، فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن يصرخ الفلسطينيون وتصرخ أزمة المدينة المقدسة جراء السياسات الإسرائيلية التهويدية التي بلغت حد تهديد وجود المسجد الأقصى وقبة الصخرة. الحال ذاته فيما يتصل بالتنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، وهو على ما ينطوي عليه من مخاطر وأضرار جسيمة، إلا أنه من المخلفات الصعبة لاتفاقية أوسلو، وتطالب غالبية الفصائل الفلسطينية بالتوقف عن ممارسته.

إذا كانت هذه هي الحقائق المعروفة، وعلى الرغم من نسبية حجم التنازلات الكلامية والورقية، فإن الأضرار الناجمة عن حملة الجزيرة، تفوق بأضعاف المرات الفوائد من وراء النشر، خصوصاً وأن طريق التفاوض مغلقة، والتنازلات على الأرض لم تقع، ومن غير المرجح أن تؤدي عمليات البحث الجارية عن تسوية، إلى تحقيق نجاح.

إذا كانت قناة الجزيرة تتوقع أن يشكل نشر الوثائق، الشرارة التي تطلق في الأراضي المحتلة، ثورة شبيهة بثورة الياسمين في تونس، أو ما يشبهها فإنها ترتكب خطأً كبيراً، ليس بسبب قوة أو ضعف شعبية السلطة وفتح ومنظمة التحرير، بل بسبب وجود انقسام فلسطيني وأيضاً بسبب الاحتلال الذي لا يتوقف عن ممارسة العدوان على الكل الفلسطيني. حملة الجزيرة من شأنها أن توفر لإسرائيل ذريعة متوفرة أصلاً، وهي أن منظمة التحرير لا تصلح شريكاً طالما أن هناك في الساحة الفلسطينية من ينازعها التمثيل ويشكك في مشروعيتها التمثيلية للشعب الفلسطيني. هذه الحملة من شأنها أن تعمق الانقسام الفلسطيني، وإن تباعد بين الأطراف، بما توفر من مادة تحريض إضافة لما هو موجود، علاوةً على أن الطرف الذي يتصالح مع مثل هذه القيادة سيكون متهماً ومشكوكا في وطنيته، هذا على افتراض أن ما تضمنته الوثائق تشكك في وطنية القيادة الفلسطينية، فضلاً عن أنها ستعمق الانقسام العربي.