فيصل القاسم

تشهد الساحة الإعلامية العربية منذ حوالي عقدين من الزمان معركة حامية الوطيس بين نوعين من الإعلام تمثلهما الفضائيات، الأول أقل عدداً، لكنه تنويري تحريضي ملتزم يحاول استنهاض الشعوب، وفضح الأنظمة الاستبدادية ورعاتها، وإشعار الشعوب بحقوقها الإنسانية التي داسها الحكام على مدى عقود. أما الثاني فهو يتكاثر كالفئران، ويستنزف المليارات، ناهيك عن أنه تخديري تعهيري بامتياز لا هم له أبداً سوى تنويم الشباب العربي من المحيط إلى الخليج وإلهائه بالتفاهات الغنائية والفنية والسينمائية الهابطة كي ينعزل تماماً عن هموم أوطانه السياسية والاقتصادية الساحقة، ويهيم على وجهه. إنه باختصار الإعلام الأصفر الذي انتشر في السنوات الماضية كانتشار النار في الهشيم، وخـُصصت له ميزانيات بالمليارات بالتواطؤ بين الأميركيين وبعض الدول العربية المرتبطة بالمشروع الأميركي ارتباطاً وثيقاً. فقد غص الفضاء العربي بمئات القنوات الغنائية والترفيهية الرخيصة التي عملت جاهدة على تحويل أنظار الجماهير العربية إلى الرقص والنقص والمسابقات التلفزيونية والأفلام الأجنبية، وخاصة الأميركية، وquot;الهشـّك بشـّكquot;، كما لو أن العالم العربي حل كل معضلاته ومشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية، ولم يبق أمام شعوبه سوى الاسترخاء والتنعم بمشاهدة الفضائيات الترفيهية وصحف ومجلات الإثارة التي باتت تحاصر الشعوب من كل حدب وصوب بالغث دون السمين.
وكما هو معلوم فإن أميركا والقوى الغربية الأخرى المتحكمة بالعالم العربي منذ عقود تعمل جاهدة على تطويع شعوب هذه المنطقة وتوجيهها لخدمة المشاريع الأميركية. ففي فترة الحرب الباردة مثلاً عمل الأميركيون ومعهم أذنابهم من الأنظمة العربية المرتبطة بهم عضوياً على تشجيع المد الإسلامي كي يقف حائلاً أمام التوسع الشيوعي آنذاك. وقد لاحظنا في تلك الأيام كيف كانت المليارات تذهب لوسائل الإعلام والهيئات والمنظمات ذات التوجهات الإسلامية دون أدنى اعتراض من الولايات المتحدة والغرب عموماً. لكن، ما أن سقط الاتحاد السوفياتي، وزال الخطر الشيوعي حتى راحت أميركا تفكر بإعادة قولبة العالم العربي إعلامياً. بعبارة أخرى، بدأت تعمل جاهدة على تحويلنا إلى شعوب من الراقصين والراقصات واللاهين واللاهيات، فأوعزت إلى أذنابها في العالم العربي لإغراق المنطقة بكم هائل من وسائل الإعلام الهابطة التي كان هدفها الأول ضرب الخطاب الإسلامي الذي استنفد دوره بعد طرد السوفيات من أفغانستان ليصبح ملعوناً مطعوناً. وقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتدق المسمار الأخير في التحالف الأميركي الإسلاماوي عموماً.
ولا يخفى على أحد أن الهدف من إطلاق سيل من فضائيات الكباريهات هو تعميم السطحية وكسر روح المقاومة لدى الشعوب ضد حكامها الجاثمين على صدورها بدعم أميركي وضد الاستعمار الأميركي نفسه. فالمُميّع، حسبما كان يخطط وكلاء الموجة الإعلامية الراقصة والهابطة، لا يقاوم ولا يثور، وهو بالتالي، حسب فهمهم المتخلف، يبقى لقمة سائغة في أيدي الحكام العرب وكفلائهم الأميركان.
لقد عمل نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي منذ مجيئه المشؤوم إلى السلطة قبل حوالي ثلاثة وعشرين عاماً مثلاً على تحويل تونس إلى منتجع سياحي شبه إباحي يلهو فيه السياح الغربيون، ويعيثون فساداً. وقد استلزم ذلك تحويل البلاد إلى ملهى نهاري وليلي، فأصبح الشغل الشاغل للإعلام التونسي إنتاج جيل من الشباب المائع الذي يجب أن يتركز جل اهتمامه في المطربين والمطربات والراقصين والراقصات والكاسيات العاريات كي يكون في خدمة الملهى الكبير. وقد برر النظام التونسي ذلك التوجه بأنه يريد تحديث البلاد والارتقاء بالشعب التونسي حضارياً، مع العلم أن الهدف الوحيد لذلك التوجه المفضوح هو إلهاء الشباب عن مشاكله وهموم وطنه التي راحت تتزايد بشكل رهيب في ظل نظام أمني نيو ليبرالي متوحش وساحق. ولو نظرنا إلى التلفزة التونسية أيام المخلوع بن علي لوجدناها لا تبث سوى الغث، فكل برامجها تقوم على الرقص والمواد الهابطة التي لا تشجع إلا الانحلال والإفراط في السقوط الأخلاقي، مع الاعتراف هنا بأنني لست quot;طالبانياًquot; ظلامياً بأي حال من الأحوال.
ولا يختلف الأمر في بلدان عربية أخرى، فمعظم الأنظمة الحاكمة تقريباً وجدت في الإعلامي التعهيري ضالتها المنشودة لإلهاء الشعوب وتغييب وعيها وسلخها عن هموم أوطانها كي يطيب العيش للحكام وأسيادهم الأميركيين والغربيين والإسرائيليين عموماً. ففي مصر مثلاً التي راح شعبها يحذو حذو الشعب التونسي العظيم، لم يأل النظام الحاكم جهداً في تعميم ثقافة الرقص والنقص، وأطلق لذلك الغرض عشرات الفضائيات المختصة في الإلهاء والتخدير والتمييع، ناهيك عن فتح أبواب مصر لعشرات الفضائيات العربية المشابهة لتفعل فعلها في أوساط الشباب المصري إفساداً وإلهاء وتسطيحاً.
من قال إن الأنظمة العربية ليست متحدة فيما بينها؟ فكما أن وزراء الداخلية العرب لم يكونوا يفوتون اجتماعاً في تونس لتنسيق سياسياتهم القمعية ضد الشعوب، فإن وزراء الإعلام العرب بدورهم ظلوا على الدوام يعملون يداً واحدة لتمييع الشعوب وإفسادها وتحويلها إلى قطعان من المائعين والساقطين، بدليل أن معظم الدول العربية تنهج نهجاً إعلامياً إلهائياً راقصاً لعلها تكتفي شر شعوبها، ولعل تلك الشعوب تبقى مشغولة بالتفاهات والترهات الإعلامية التي يتقيؤها الإعلام العربي التعهيري ليل نهار.
لكن هيهات، فها هو السحر ينقلب على الساحر. ها هي الشابات والشباب التونسي الذي حاول بن علي أن يجبله إعلامياً على الدلع والميوعة والضياع الفكري والأخلاقي يهب كالأسود الهمامة دفاعاً عن حريته وكرامته وإنسانيته، فبدلاً من أن ينتج الإعلام العربي التخديري شعوباً مستسلمة وفاسقة، فقد حدث العكس بفضل القلة القليلة من الإعلام الجاد والمحترم، ومن حمد الله، نجح نجاحاً باهراً في زلزلة الأرض تحت الطغاة والمتجبرين والمتلاعبين والعابثين بعقول الشعوب. ها هو الإعلام الأصفر الفاقع يسقط صريعاً أمام الإعلام الجاد، بدل أن يثير الشهوات الجنسية في النفوس، ويتلاعب بعقول الشباب، راح يحث على احترام النفس البشرية، ويفضح الممارسات الاستبدادية، ويرفع معنويات الشعوب ويستفزها للمطالبة بحقوقها واستعادة كراماتها المهدورة ومحاسبة جلاديها والمناداة بالديموقراطية والنهوض من سباتها كي تلحق بالعصر بعد أن أمعن حكامها في إبقائها رهينة القمع والتسطيح. بعبارة أخرى، فإن الشعوب العربية التي أُريد لها أن تكون قطعاناً من الهائمين والهائمات بدأت تتحول إلى ثائرين وثائرات تهز الأرض تحت أقدام من أرادوا لها أن تكون عجينة طيعة في أيديهم، فالشعوب لا تريد ملاهي فضائية، بل وسائل إعلام وطنية حقيقية وديموقراطية تفضح الفساد والاستبداد ومبذري الثروات والوكلاء المحليين المتحكمين بالبلاد والعباد لصالح أربابهم في تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس.
يا أيها الذين تنفقون المليارات على الكباريهات الفضائية ظناً منكم أنكم ستحولون الشعوب العربية إلى quot;هايفات وهايفينquot; لعوبين مخصيين مخنثين منزوعين من الرجولة والكرامة والعنفوان، وفروا أموالكم، فالشعوب لم تتأثر كثيراً بغثائكم الفضائي، بدليل أنها داست وستدوس على كل من حاول يوماً أن يتلاعب بقيمها وكرامتها وثقافتها.
ألا تتفقون معي أن الإعلام الأصفر وعرابيه يسقطون صرعى تحت أقدام الشعوب.