قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي سالم

أعرف أنك قوي وأنك قادر على تحمل عبء الديون الذي هو ذل بالنهار وهم بالليل، كما أعرف أنك قادر على التعامل مع المستحق عليك بنضج كاف، وأنك قد بدأت فعلا في تقليل نفقاتك واحتياجاتك كما ضاعفت من نشاطك في العمل من أجل تحقيق زيادة في دخلك تتيح لك تسديد ما عليك لكي تسترد سلامك وصحتك النفسية بل وحريتك أيضا، فالمهمومون والمغمومون بالديون عاجزون قطعا عن أن يكونوا أحرارا. لست أتكلم عنك، أنا أتكلم عن هؤلاء العاجزين عن تحمل عبء الفلوس عندما تهبط عليهم من السماء أو تطلع لهم من تحت الأرض. نعم.. الفلوس عبء ثقيل عليك أن تتعلم كيفية التعامل معه وإلا واجهت مصيرا أشنع من هؤلاء الذين يعانون من شدة الفقر والإملاق.

جيرار دي نيرفال رحالة فرنسي زار مصر في منتصف القرن التاسع عشر، هو دبلوماسي وكاتب يتسم بالرقة وقوة الأسلوب، في كتابه laquo;امرأة من القاهرة - رحلة إلى الشرقraquo; وصف كثيرا من ملامح الحياة في القاهرة في ذلك الوقت، غير أنني سأكتفي بذكر واقعة وحدة لا أعتقد أنها استوقفت أحدا سوى كاتب هذه السطور، استأجر الأخ دي نيرفال خادما كان يعطيه يوميا خمسة مليمات (نصف قرش، الجنيه مائة قرش، انقرض هذا القرش غير أن كاتب هذه السطور تعامل به كثيرا في شبابه وطفولته أما الجنيه فهو في طريقه إلى الانقراض) وهو مبلغ مهول يعادل مرتب سكرتير عام الأمم المتحدة هذه الأيام. ذات يوم سأل الرجل خادمه: كم ادخرت حتى الآن من مرتبك؟

فأجاب: لا شيء.. أنا أنفقه كله.

فغضب جيرار وقال له: كيف..؟ أنت تتناول طعامك هنا.. وتقيم هنا، كان لا بد أن تدخر يوميا عدة مليمات، وبذلك تجد معك يوما ما مبلغا يتيح لك أن تبدأ مشروعا يحسن أحوالك.. لا بد أن تفهم شيئا عن فائدة تراكم رأس المال.. اسمع، لن أعطيك أجرك يوميا، سأعطيه لك كل عدة أيام.

وهذا ما حدث فعلا، لثلاثة أيام لم يعطه شيئا، وفي اليوم الرابع أعطاه خمسة عشر مليما أخذها الخادم واختفى، لم يأت في صباح اليوم التالي، شعر دي نيرفال بالاضطراب خوفا من أن يكون قد حدث له مكروه، غير أنه عاد بعد ثلاثة أيام فسأله غاضبا: أين كنت.. ماذا حدث لك؟

فأجابه الخادم غاضبا هو الآخر: إيه.. فيه إيه..؟ كنت باصرف الفلوس.

دي نيرفال غاضب لأنه ابن الفكر الغربي الذي لا يتخيل أن يمتنع الإنسان عن العمل لأن معه فلوسا يريد أن يتفرغ لإنفاقها، بينما الخادم لا يتخيل أن يعمل في الوقت الذي يمتلك فيه كمية من المال لا بد من التفرغ لإنفاقها. فهل هذا السلوك يمثل ملمحا أساسيا من ملامح الشخصية المصرية؟ لن أقدم لك الإجابة، فمرتبي من جريدة laquo;الشرق الأوسطraquo; أحصل عليه مقابل أن أقدم لك الأسئلة التي أعجز عن إيجاد إجابات لها. أنا أعمل وأحصل على فلوس منذ طفولتي كنت أتفرغ وبكل حماس للعمل على إنفاقها وكانت أمي رحمها الله تقول لي: الفلوس بتقرّصك في جيبك؟

ومن بين كل الحكم والمقولات القديمة أعتز كثيرا بحكمة واحدة وهي تلك التي تقول: laquo;اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيبraquo;. وبملاحظة سلوك العامل المصري سنرى أنه عندما يحصل لسبب ما على مبلغ كبير أو صغير، يتزوج زيجة جديدة، أو على الأقل يتفرغ للجلوس على المقهى لإنفاقه، خادم دي نيرفال إذن ليس حالة فردية خاصة لا يقاس عليها، بل هو سلوك عام عند قطاع كبير من البشر وأنا منهم، هكذا يحق لي أن أتقدم إلى العالم بوصفي أول من اكتشف هذا المرض وأسميه laquo;العجز عن تحمل عبء الفلوسraquo; ربما تظن أن السبب في هذا المرض هو عدم الإيمان بقيمة العمل، أو الرغبة في الاستمتاع بالحياة، أما أنا فأنفي ذلك بشدة وأقول إنه الرغبة في التخلص من الفلوس بتدميرها. إنه العجز عن تحمل عبء الفلوس.

والآن.. خادم دي نيرفال، وجزء كبير من الطبقة العاملة، وحضرتي، يدمرون الفلوس التي حصلوا عليها، فهل الحكومات التي مرت على مصر منذ ستين عاما على الأقل كانت حريصة على تدمير الأموال التي تحصل عليها من الشعب أو من الدول الأخرى تحت أي مسمى من المسميات؟

أعطني عقلك، يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وعاما بعد عام، نقترض ونحصل على مساعدات وهبات ومعونات، وكل من له صلة بالحكومة يعيش عيشة البكوات، ثم تأتي اللحظة التي نواجه فيها بالحقيقة المؤلمة وهي أننا مدينون للداخل والخارج ليس بمئات الملايين بل بمئات المليارات، المبلغ يقدره الخبراء بأكثر من مائة وستين مليار جنيه مصري أو مليم.. لا فرق. كان هناك سباق في ميادين المناصب العليا والمتوسطة للحصول على مرتبات مهولة، سباق لبناء شاليهات وقصور على الشواطئ، سباق في اتجاه الفخامة ليس بفلوسنا ولكن بفلوس الناس. ادرس أي مشروع تغذيه القروض والمنح والمساعدات الأجنبية، ادرس مرتبات العاملين فيه بأرقامها الفلكية، ادرس الطريقة التي أسسوا بها مكاتبهم، لاحظ ماركات السيارات التي يتنقلون بها، عد بذاكرتك لحفلات الزفاف الشهيرة، عندها ستصدقني عندما أقول، ليس الفساد هو السبب في ذلك كله، بل عدم القدرة على تحمل عبء الفلوس.

كنا نتعامل مع تلك الديون بوصفها مجرد أرقام نقوم بترحيلها من خانة إلى خانة في الميزانية العامة بغير أي إحساس بالتقصير أو الخوف أو القلق. ومع كل لحظة منذ يوليو 1952، كانت الأسعار ترتفع وقيمة الجنيه تنخفض والديون تتضاعف إلى أن وصلنا إلى تلك اللوحة السيريالية المؤلمة التي نمر بها الآن. ألا يثبت ذلك أن الهدف من الحصول على قروض ومنح ومساعدات من الخارج، كان فقط الاستمتاع بإنفاقها بغير التفكير في الجهد المطلوب لتسديدها.

الواقع أن حصول الحكومة على فلوس في السنوات الأولى على الأقل من ثورة يوليو، كان أمرا سهلا للغاية، تستطيع الحكومة أن تصدر قرارا بتأميم أو مصادرة أي ممتلكات لأي مخلوق، هذا بالضبط ما شكّل ثقافة جديدة داخل العقل الحكومي بأنه لا مشكلة في الحصول على فلوس وبالتالي لا مشكلة في تسديدها، ومع عقدة الذنب التي لا بد من تكونها بشكل غير واعٍ، كان من المحتم التخلص بسرعة من هذه الفلوس بتقسيمها إلى أنصبة كبيرة نعطيها لكل من هو قريب من الحكومة. هذا هو كما أرى أصل الحكاية. وعموما دعني أشرحها لك بطريقة سهلة، كم مرة في حياتك قابلت شخصا أو جماعة، يسعده أن يأخذ ولا يعطي شيئا في المقابل؟ أو يأخذ ولا يفكر في السداد؟ ليس معنى ذلك أنه شرير، ربما كان فقط يؤمن في قرارة نفسه أنه أعظم من بقية البشر، وأن من حقه عليهم جميعا أن يأخذ فلوسهم للاستمتاع بتبديدها بدافع من العجز عن توظيفها فيما هو مفيد.