قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إياد أبو شقرا

laquo;في الأمم السليمة ثمة توازن مهم بين إرادة الشعب والسلطة يكفل منع انزلاقها نحو الطغيانraquo;
(ألبرت آينشتاين)
كل عام وأنتم بخير. التمنيات بالصحة والسعادة والطمأنينة عادة يعرب عنها الناس في مطلع كل عام، مع أن تتابع السنين في حد ذاته لا يحمل قطعا تاما مع الماضي، بل يشكل امتدادا له ولتداعياته.
عام 2011 كان، بكل المقاييس، عاما حافلا. وفيه أطل laquo;الربيع العربيraquo; باكرا على الدول المعنية مباشرة بتغيير الأنظمة الحاكمة فيها، ليمتد منها عبر المنطقة العربية، ومن ثم يمس مناطق عدة من العالم. وفي حين تفاوت تحليل ظاهرة laquo;الربيع العربيraquo; تفاوتا عظيما على مختلف المستويات الفكرية والآيديولوجية في هذه البلاد أو تلك، برز توجهان رئيسنان، الأول: هو التحمس الشديد للتغيير بأي ثمن ولو اقتضى الأمر الاستخفاف ببعض السلبيات المواكبة له والناجمة عنه، بل إنكار وجودها كليا في بعض الحالات.
والثاني: هو التشكيك بالتغيير والتخوف منه، ومن ثم المراهنة على حتمية فشله، إما عبر تسليط الضوء على تكلفته الباهظة، أو لأن القوى المستفيدة منه متهمة بالافتقار إلى رؤية حصيفة ومسؤولة لمفاهيم الحكم والتعايش واحترام حقوق الإنسان ومقومات laquo;دولة المؤسساتraquo;.
وحقا، بعد السلاسة النسبية في إزاحة الحاكمين السابقين في كل من تونس ومصر، نبهت التكلفة الدموية العالية لإنهاء laquo;حالةraquo; معمر القذافي في ليبيا المتابعين إلى إدراك حقيقة أن laquo;السلاسةraquo; التي تحققت في تونس ومصر ليست مسألة مضمونة في كيانات أخرى، فهذه الكيانات أجهز حكامها على امتداد عقود على معظم مفاهيم laquo;الدولة العصريةraquo; ومؤسساتها، وعلى رأسها مبادئ احترام الحريات السياسية والاجتماعية العامة، والتداول المنتظم للسلطة، والفصل بين السلطات (في ظل سلطة قضائية مستقلة فعليا).
وفي أعقاب المشاهد البشعة لنهاية القذافي وبعض أولاده في ليبيا، دخل laquo;الربيع العربيraquo; - كما شاهدنا - متاهتي اليمن وسوريا، حيث فرض الحاكمون ومن معهم من laquo;بطانةraquo; عائلية وعشائرية ومصلحية مرتزقة... واقع laquo;أنا أو الفوضىraquo;. وحتى هذه اللحظة، على الرغم من المحاولات المبذولة laquo;خليجياraquo; في حالة اليمن، وlaquo;عربياraquo; في حالة سوريا، فإنه ينبغي الاعتراف بأن العمل الخليجي والعربي المشترك باء حتى الآن بالفشل لجهة إقناع رأسي النظامين المعنيين بأنهما قصرا في ما يفترض أنه أبسط واجبات الحاكم إزاء شعبه، ألا وهو حماية أمنه وسلامة أبنائه. وهنا، مع الأسف، لسنا بحاجة إلى laquo;جردraquo; ما ارتكبه كل من الرئيس علي عبد الله صالح وبشار الأسد بحق شعبهما، وما فعلاه بأجهزة الدولة، وما دمراه من البقية الباقية من نسيج اجتماعي جامع لمكونات الوطن.
في أي دولة في العالم تمر بتجربة شبيهة بـlaquo;حرب الحوثيينraquo; يقر الحاكم على الأقل بالتقصير في استشراف الفتنة، وبالتالي يتحمل مسؤولية التقصير ويتنحى، فكيف إذا كان من ذريته وأبناء عائلته رجال يمسكون بكل المفاصل الأمنية والعسكرية في البلاد؟ بأي منطق... وأي روح مسؤولية يسبح اليمن في الفتنة وسط مراوغات ومماحكات رئاسية لا تنتهي، وlaquo;شطارةraquo; قاتلة يستحيل أن تفضي إلى غير التقسيم، ولا قدر الله، التفتيت ووضع laquo;الدولة الفاشلةraquo;؟
في سوريا، قد يكون ثمة اختلاف في التفاصيل عن وضع اليمن... لكن الصورة العامة واحدة. فهنا أيضا يقوم نظام أمني عائلي عشائري فئوي احتكر الهيمنة الأمنية الاستخباراتية وراء واجهة مصطنعة للعلمانية والعروبة والاشتراكية، وبالطبع - قبل أن ننسى - laquo;الممانعةraquo; والنضال التحريري (!؟) ضد العدو الصهيوني. وبعد أكثر من أربعين سنة من زرع الأحقاد داخل الحدود، وتصدير الفتن والقلاقل خارجها، والتصرف laquo;المافيويraquo; بموارد البلاد ورقاب العباد، وتشويه ثقافة بلد من أعرق ثقافات العالم وأرقاها وأجملها... يخير النظام شعبه بين بقائه (أي النظام) أو الغرق في أنهار من الدماء، لا سيما أنه، كما طمأننا وزير خارجيته وليد المعلم... laquo;يجيد السباحةraquo;!
وعلى الرغم من وجود laquo;تخمةraquo; في أجهزة الاستخبارات التي تصادر كل مجالات الحياة السورية اليومية منذ أكثر من أربعة عقود، فإنه يحاول النظام منذ نحو عشرة أشهر من القتل أن يقنع العالم بنجاح laquo;المؤامرة الخارجيةraquo; في بناء قاعدة من laquo;المندسينraquo; وlaquo;الإرهابيينraquo; المنتشرين في طول البلاد عرضها!
إنه يحاول أن يصور أن بقاءه يشكل الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق سوريا نحو الحرب الأهلية، مع أنه من الناحية المعنوية على الأقل ndash; إذا سلمنا جدلا بوجود laquo;المؤامرةraquo; ndash; يتحمل مباشرة تبعات إضعاف مناعة سوريا، وتركها فريسة سهلة للتحريض الطائفي... متناسيا أن سياساته داخل سوريا وفي محيطها العربي، وتحالفاته الإقليمية المعلنة والمستترة، هي التي خلقت المناخ المواتي للفتن الفئوية، ناهيك عن أنه الآن يدفع دفعا باتجاهها من منطلق الابتزاز السياسي ndash; الأمني.
في اليمن وسوريا... المراوغة مستمرة أمام العجز العربي الكامل. وفي حين قطعت التجربة التونسية مرحلة مقبولة على طريق laquo;النضجraquo; في ظل وعي لا بأس به بأهمية المحاسبة والمساءلة، تبقى الصورة مبهمة في ليبيا، وقاتمة في مصر، القلب النابض في وسط العالم العربي. ومع الارتباك المفزع في أروقة السياسة الأميركية بين سذاجة الإدارة الديمقراطية وغلو التطرف الجمهوري.. في موسم انتخابي حار، والتردد الأوروبي الذي سيتفاقم أكثر بفعل الأزمة الاقتصادية هذا العام... قد لا يكون من الحكمة التفاؤل بحلول قريبة تعطي laquo;الربيع العربيraquo; قوة دفع إضافية.
أصلا، علينا الإقرار بأن نتيجة الانتخابات المصرية، بالذات، أطالت لفترة لا بأس بها عمر النظامين اليمني والسوري. فحتمية انتصار الطرح الإسلامي المتشدد في أي مكان تهب عليه نسائم laquo;الربيع العربيraquo; دخلت الآن جديا في حسابات كل القوى الدولية المتعاملة مع المنطقة. كذلك، يخشى أن تسهم رسالة مصر الانتخابية في توهين النزعة نحو التغيير في أوساط فئات لا يجوز إسقاطها من المعادلة، كالنساء وجيل الشباب والأقليات العرقية والدينية.
هذه حقائق. ومن الحكمة، مع دخول عام ما بعد عام laquo;الربيع العربيraquo;، أن ندرك ويدرك المنخرطون في مسار التغيير الناهض من ركام الخوف، أن القوى المطلوب توافرها لهدم القديم ليست بالضرورة هي نفسها القوى الكفيلة ببناء الجديد. فنحن هنا أشبه ما نكون بمشروع إنشائي، لا يمكن أن يبدأ من دون الهدم والجرف وتمهيد الأرض وحفر الأساسات، ولكن المعدات المستخدمة في هذا الجزء من المشروع لا تصلح لإنجاز الجزء الخاص بالبناء، بل توجد معدات أخرى متخصصة بإنجاز جزء البناء والتشييد.
بناء الأوطان، أيضا، يحتاج إلى قوى حية ومتحركة تتولى مهمة النضال والمواجهة لإسقاط القديم، وإلى قوى أخرى اقتصادية وإدارية وفكرية خبيرة ونزيهة، لا تحفّظ عليها من قبل مختلف مكونات الشعب، دورها القيادي ضروري لمرحلة بناء الدولة الجديدة ومؤسساتها.
هذا الكلام لا يعني أبدا أن يستغل فريق ما تضحيات فريق آخر... ويسرق منه انتصاره. بل يعني، أن ثمة حاجة، بل مصلحة مصيرية مشتركة لأن يقدم كل فريق من أفرقاء الطيف السياسي لوطنه ما هو مؤهل تخصصيا لتقديمه. وأن يتنحى جانبا وطوعا، لمن هم أقدر في أداء المهمة التالية... لمصلحة الوطن ومصلحته هو أيضا.
ما لم تتفهم القوى المشاركة في laquo;الربيع العربيraquo; هذا التفصيل الصغير... فإنها ستجازف بأن يتحول هذا laquo;الربيعraquo; إلى مجرد laquo;سحابة صيفraquo;.