قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عاطف الغمري

في وقت تتدافع فيه الأحداث في مصر، وتتقلب الأمور في واقع اختلطت فيه الصور وتشابكت وتداخلت في بعضها، بفعل ما تعرضت إليه فترة ما بعد ثورة 25 يناير، من عدوان مبيت من عناصر الثورة المضادة، وأطراف أخرى رافضة للتغيير، أو فوضوية، بوسائل ظاهرة أو خفية، يأتي انعقاد المؤتمر السنوي للشؤون الخارجية، يلقي نظرة شاملة على المشهد الراهن، ويحمل عنوان الوضع الإقليمي والدولي لمصر بعد ثورة 25 يناير . لعل ما جرى في المؤتمر يكون بمثابة رسالة خالصة لكل الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية في مصر .

المؤتمر يأتي في سياق تقليد درج عليه المجلس بأن يخصص مؤتمره السنوي لواحدة من القضايا ذات الاهتمام الكبير في وقتها، وبالصورة التي تعكس الموقف الوطني الخالص للمجلس من القضايا المطروحة، ومن منطلق طبيعة تكوينه، حيث يضم حشداً من الأعضاء ذوي التوجهات المتنوعة وكلهم من دعاة التغيير والديمقراطية .

المؤتمر هذا العام، والذي افتتحه رئيس المجلس والسفير د .محمد إبراهيم شاكر، اقتحم عمق الموقف في مصر من زوايا تأثير الثورة المصرية، والثورات العربية على موازين القوى الإقليمية ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية منها .

والمشاركون - وهو أمر معتاد في أعمال المؤتمرات السنوية - هم من علماء السياسة، وأصحاب التخصصات والخبرة العملية الذين يطرحون رؤيتهم في الصورة الراهنة والمستقبلية لموضوع النقاش، في حوار تبادلي للرأي مع الحضور من أعضاء المجلس ما يسفر عن نتيجة تنويرية ثرية بالأفكار والمبادرات .

إننا ونحن على أعتاب ممارسة مختلفة للحياة النيابية، بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت، فإن المجلس يطرح رؤى ومقترحات، وهو نهج سبق أن قام به، بوضعها أمام صانع القرار في النظام السابق، منبهاً ومحذراً وداعياً إلى وضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار، وإن لم يكن يؤخذ بوجهات نظره .

والآن، وعلى ضوء ما دار في المؤتمر السنوي، يطرح الآن سؤال: كيف ستدار السياسة الخارجية لمصر؟

إن العالم قد انتقل إلى مصر، أصبح التغيير بإيقاعه المتسارع، هو فلسفة العصر وقاعدة عمله، ولا يصلح فيه انفراد حزب أو فريق سياسي، أو حتى في إطار عمل الرئيس أو الوزير في قطاع مسؤوليته، وصياغة القرار . فالعالم بدوله الكبيرة والصاعدة التي كانت صغيرة ونهضت، ويبني قراراته على مرجعية مستمدة من أصحاب العقول النابهة، وأهل الخبرة والتخصص، وتنوع التوجهات، وهذا هو سر الطفرات السياسية والاقتصادية - الاجتماعية في هذه الدول، فضلاً عن أن الدول تستفيد من تجارب بعضها، بما يتناسب مع خصوصية ظروفها، إلى درجة أن دولاً كبرى ومتقدمة، راحت تدرس أخيراً تجارب الدول الصاعدة الناهضة في آسيا وأمريكا اللاتينية لتستفيد من نجاحاتها في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية .

ثم إن إدارة السياسة الخارجية، قد طرأت عليها، بفعل تطورات عصر ثورة المعلومات، وصعود قوى وتراجع أخرى في القوة النسبية كالولايات المتحدة، متغيرات جوهرية في المفاهيم التقليدية والمستقرة لعشرات وربما مئات السنين، مثل مكونات قوة الدولة، ووزنها عالمياً، ومفهوم الأمن القومي والأمن العالمي ومعنى الديمقراطية، وصعود القدرة الاقتصادية التنافسية للدولة إلى قمة مكونات الأمن القومي، ودورها الحيوي في اكتساب الدولة المكانة والنفوذ إقليمياً ودولياً، فضلاً عما أصبح يمثله وجود مجلس أمن قومي من ضرورة لا غنى عنها، وهو ما حظي بنصيب كبير منذ سنوات في كتابات ودعوات عدد من أعضاء المجلس .

إن ما جرى في المؤتمر السنوي من طرح رؤى وأفكار ومبادرات، في هذا الوقت الذي تمر فيه مصر بمرحلة بدت فيها المواقف والأفكار كأنها تتناطح وتتصارع، يحتاج إلى تبصر بالمستقبل، والوعي بأن الوصول إلى الاستقرار والأمن والتقدم والمكانة والنفوذ لا بد أن يبدأ بتشخيص خالص ومخلص، للحالة الضبابية الراهنة، وتفكيك خيوطها التي تعقدت، والإصرار على الخروج منها لمصلحة مصر أولاً .

وهنا، أشير إلى نظرة علمية وموضوعية محايدة، كانت خلاصة تأمل معمّق ومناقشات وافية في عشرات من الندوات والمؤتمرات في أوروبا والولايات المتحدة لخبراء وعلماء من خارج دوائر الحكم، حول الثورة المصرية ومستقبلها .

منها على سبيل المثال، منتديات في جامعة هارفارد وأتلانتيك كونسيل، والمؤتمر القومي الديمقراطي الذي أدارته مادلين أولبرايت، ومعهد بروكنغز وغيره الكثير، وكل المشاركين اتفقوا - من دون ترتيب بينهم - على أن ما حدث في مصر هو ثورة حقيقية، طبقاً للمقاييس السياسية والتاريخية .

إن هذه الثورة إذا اكتملت أهدافها، فسوف تحدث نهضة كبرى في مصر، ولن يتوقف تأثيرها في الداخل، بل سيمتد إلى المستويين الإقليمي والدولي، وأن أي تعويق للتغيير أو عرقلة لاكتمال تحقيق أهداف الثورة حتى أعلنت منذ 25 يناير، سيكون هو العقبة الفعلية أمام نهضة مصر، بكل ما سيترتب عليها .

إن المؤتمر الذي عقده المجلس المصري للشؤون الخارجية هو إسهام برؤية تنويرية مصر أهل العلم والتخصص والخبرة المجردة من أي هدف سوى المصلحة الوطنية العليا، ورسالة خالصة لكل حريص على مصر وأمانها ومستقبلها .