حسين علي الحمداني


ما يمكننا تمييزه من أحداث تحصل في الشارع العربي الآن، وبخاصة في دول مثل مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، أن هذا الشارع الذي لم يستطع مغادرة الثنائيات منذ عقود طويلة، يستخدم الآن ثنائية جديدة ستظل تلازمه سنوات قادمة، هذه الثنائية الآن هي laquo;الإسلام والعلمانيةraquo;، فمن كان علمانيا فهو كافر وملحد ويريد توجيه ضربة للإسلام في عقر داره، ومن كان إسلاميا فهو رجعي يريد بالبلاد العودة للعصور الوسطى.

لا تستغربوا هذا الشيء فإن الشارع العربي يفكر هكذا.. من أين جاءت هذه الأفكار؟ هل هي وليدة الشارع العربي؟ أم أن الشارع العربي قابل لاحتضانها؟ بالتأكيد أن هذه الثنائية الخطرة جدا ضُخت إلى الشارع العربي عبر قنوات عديدة، هذا الشارع الذي يتقبل كل شيء، صالحا كان أم طالحا، مضرا أم نافعا، المهم أن الشارع العربي يبحث عمن يملأ فراغ النظام الذي سقط، وعندما يسقط أي نظام عربي شمولي ديكتاتوري، تتفتح أمام الشعوب آفاق التحليل وأبواب السياسة ويصبح الكل فقهاء في كل شيء ويتحول الجميع لضحايا لهذا النظام، وهم محقون في ذلك لكون الأنظمة العربية الشمولية لم تترك أحدا إلا واضطهدته ونالت منه بشكل أو بآخر، وفجأة نجد الجميع يحلل ويستنتج ويعطي أفكارا لإدارة الدولة، ويطعن بشرعية هذا القانون وذاك، والبعض يكتب دستورا وفق ما يريده ويحاول أن يجعله يضاهي الدساتير العالمية، وآخرون يضعون نظاما داخليا لحزب لم يتكون بعد، والبعض يبدأ بحصاد مبكر للديمقراطية عبر تنظيمات المجتمع المدني، وسعيد الحظ من يجيد لغة ثانية يستطيع من خلالها أن يحصل على هبات المجتمع المدني الدولية التي غالبا ما تمنح دون متابعة أو رقابة.

وتتكاثر الفضائيات والصحف للأطراف كافة لدرجة يصعب إحصاؤها، والجميع تضخ للمتلقي العربي ما تريده أو ما يريده الممول لها، والنتيجة تكون أن ثمة اتجاهين في الشارع العربي كل منهما يسير باتجاه مغاير للآخر ولا يمكن أن يلتقيا إلا إذا انحنى أحدهما، وهذا من الصعب أن يحصل بوقت قصير، لأن الانحناء في المفهوم والعقل الجمعي العربي مستحيل وتسيل دونه دماء الشعوب التي عادة ما تدفع غطرسة الحكام والآن تدفع غطرسة السياسيين، حتى وإن لم يحكموا بعد، إلا أنهم يتحكمون عبر ما يمتلكون من آليات.

لهذا يمكننا أن نقول بأن من يعرف اللعبة السياسية على أصولها في عالمنا العربي لا بد أن يفكر في كيفية تسيير الأمور لصالحه، وجميع السياسيين العرب، بمن فيهم الحكام الذين تهاوت عروشهم، لم يستطيعوا أن يتحكموا بمقدرات الشعوب والسيطرة عليها إلا من خلال تقسيمها لفروع عدة وتفرقتها من أجل سهولة قيادتها بالشكل الذي يؤمن للحاكم البقاء في السابق، وللسياسي الفوز في الانتخاب في الوقت الحاضر.

في تاريخنا المعاصر باتت الثنائيات ضرورية للسياسي العربي، فيها ومن خلالها يمتلك مقعدا في البرلمان وحقيبة وزارية ومنصبا كبيرا، ولا نريد أن نضرب أمثلة حية موجودة الآن على الأقل في العراق ومصر وتونس.

لهذا وجدنا شعار laquo;الإسلام هو الحلraquo; أوصل النهضة في تونس وlaquo;الإخوانraquo; في مصر لما وصلوا إليه اليوم، وأفرزت الانتخابات في كلا البلدين نتائج مهما تكن صادقة ونزيهة فإنها كانت مخرجات تنتمي لزمن الشارع العربي الذي جُيش ضد العلمانيين والليبراليين والمعتدلين في زمن محدد، تمكنت خلاله القوى الدينية من أن تحصد أول ثمار الثورة سواء في تونس أو مصر دون أن تشارك بها.

وفي العراق لو لم تكن هنالك ثنائية السُنة والشيعة التي عزف عليها الجميع في دورتين انتخابيتين، وما زال البعض من الساسة يروج لها، هل كنا بهذه الحالة؟ بالتأكيد لا؛ لأن شعبنا، وبخاصة في الدورة الانتخابية الأخيرة، تجاوز الطائفية، لكن السياسيين العراقيين لم يجدوا أنفسهم إلا من خلال الطائفة، وبالتالي ظلت الديمقراطية في العراق مجرد صناديق نضع فيها الأصوات ولا ننتظر خروج نتائج لهذه الأوراق التي تدافعنا في سبيلها.

والآن المشهد السياسي في العراق في طريقه لطي ملف الطائفية أو الثنائية هذه، لكننا وجدنا أن الساسة أكثر تفكيرا من الشعوب فأوجدوا لنا ثنائية جديدة ربما تطيل بقاء البعض منهم دورة أخرى أو عدة دورات، ونكاد نجزم بأن الشعب العراقي تجاوز ثنائية السُنة والشيعة، لكن المشكلة بأن السياسيين ما زالوا لم يتجاوزوا هذه الثنائية الخطرة التي من دونها سيفقدون الكثير من مقومات وجودهم القائم أصلا على تقسيم الشارع العراقي وفق إراداتهم الخاصة ومصالحهم الضيقة.