غازي دحمان

بات واضحاً أن بعثة المراقبين العرب إلى سورية ليست أكثر من مخرج لأزمة النظام الرسمي العربي تجاه الأزمة السورية، فهذا النظام، الذي يعيش مناخ الثورات الشعبية ويرزح تحت تأثيراتها وجد نفسه في ظل الأزمة السورية وتصاعدها في حال من الارتباك الناتج عن التناقض بين مواقفه وحساباته وضغوط شعوبه التي تراقب أداءه بجرأة ودقة في هذه المرحلة.

ربما لا يحتاج الأمر إلى كثير من التفحص لاكتشاف مدى صحة هذه المقاربة وواقعيتها، إذ يكفي النظر في هيكلية بعثة المراقبين التي يغلب عليها الطابع الرسمي (موظفون رسميون في دولهم) وكذا النظر إلى آليات عملها الضعيفة، ومنهجيتها الضبابية والملتبسة، حتى يكتشف المرء أن هذه اللجنة ليست أكثر من توافق عربي مرحلي.

كان واضحاً منذ البداية أن المبادرة العربية لحل الأزمة السورية، بالبنود التي تم إعلانها، هي نوع من القفز فوق الممكن الذي لا تحتمله طبيعة العمل العربي المشترك، ولا يمكن أن يصار إلى شرعنته في الظروف الحالية، وهو ليس أكثر من محاولة حماسية لتيار عربي (رسمي) مأخوذ بالمناخ السائد، مع مزاوجة هذه الحماسة بحسابات استراتيجية معينة، قابلها تيار آخر ما زال ينظر إلى laquo;الربيع العربيraquo; على أنه ليس سوى حالة طارئة آن أوان انتهائها وتوقف زخمها، وعند أبواب دمشق بالتحديد، كي لا تتكرس هذه الظاهرة في الواقع العربي، ومن ثم لا بد أن تشكل قطعاً مع حالة غريبة يجب أن تنتهي بالفشل حتى في البلدان التي أنجزت الثورات فيها مرحلتها الأولى.

وحتى نحيد عن التفسير المؤامراتي، فإننا لا نجزم بأن سلوك هذا التيار المقابل كان نوعاً من العمل المنظم والمتراص، بمقدار ما شكل توافقاً ضمنياً أتاحته طبيعة العمل العربي المشترك وآليات اتخاذ القرار في الجامعة العربية. وللإنصاف أكثر، فقد ظهر سلوك هذا التيار في بداية مقاربة الجامعة العربية للأزمة السورية في شكل خجول ومرتبك وغير متماسك، تجلى في مخاوف لبنان والعراق ومحاذير السودان والجزائر وسلطنة عمان وتردد مصر، وقد وجد هذا التيار في فكرة (البروتوكول) منجماً للتفاصيل الشيطانية التي تتوه فيها المبادرة العربية وتضيع في أزقة الأزمة السورية وزواريبها.

على أن الفرصة الأكبر لهذا التيار العربي الرافض لمبدأ التغيير الثوري في سورية خصوصاً والمنطقة عموماً تجسد في بعثة المراقبين العرب وذلك عبر الآلية الملتبسة التي أتاحتها الأمانة العامة للجامعة والقاضية بأن تكون تركيبة الوفد وهيكليته من موظفين رسميين تختارهم دولهم، مع تطعيمهم ببعض الكوادر المختصة في مجالات حقوق الإنسان، وهؤلاء بدورهم سيكونون في الغالب من داخل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في بلدانهم.

الواضح أن أطراف إدارة الأزمة في سورية من العرب يجسدون حالة انتظارية مكشوفة، كما أنهم يحيلون صراعهم الخفي إلى عامل المفاجأة الذي سينطوي عليه تطور الحدث السوري حيث يبني كل طرف على الشيء مقتضاه.

لكن الرهان الأكبر لدى الطرفين سيكون تقارير البعثة التي من المتوقع أن يتمترس حولها كل فريق، والتي لن ينتج عنها سوى التضارب في نقل الوقائع، ومن ثم إتاحة الفرصة لهوامش من المناورة لدى الطرفين والدخول في مباريات تقديم الاقتراحات والاقتراحات المضادة.

النظام العربي مرشح للانقسام وفي شكل حاد على عتبة الأزمة السورية، وبعثة المراقبين ستتيح بيئة مناسبة لهذا الانقسام، وعلى كل حال يبدو أن التأسيس لهذا الانقسام بدأ منذ لحظة تشكيل (تلغيم) هذه البعثة، ولهذا يتشاطر النظام السوري في حرفها عن أهدافها وتمييع مهمتها.