محمد الرميحي

هل منظر الرجال الذين أوفدوا من الجامعة العربية من أجل مراقبة ما يحدث في سوريا منظر عبثي أم تراجيدي لم يكتب مثله مشهد حتى في خيال المبدعين، أم تراه منظرا متوقعا مولدا من أفكار قديمة لبيروقراطية عربية شاخت؟

أكتب المقال في يوم اجتماع اللجنة العربية المختصة للنظر في ما سينتج عن لجان المراقبة العربية من تقارير لا أظنها حاسمة. الوضع العام في المشهد كله لا يسر. هناك على هذا المسرح الدموي تجري مسرحية عبثية لا سابقة لها؛ فالرجال ذوو السترات البرتقالية ذهبوا إلى سوريا دون تصور لما يريدون أن يفعلوه، ولا ما هو متوقع منهم، بعضهم ظن أنه ذاهب إلى هناك فقط من أجل مراقبة الموت في المدن السورية وتعداد الجثث، وبعضهم أراد أن يتقبل مسلسل القتل لأنه في نظره laquo;شيء طبيعي يجب أن يحدثraquo;، هذا إضافة إلى أن الجميع كان فقيرا من حيث الإمكانات والموارد، إلى درجة تثير الغثيان والاشمئزاز.

زاد كل ذلك الجرح العميق إهانة بما فعله الأمين العام للجامعة العربية، السيد نبيل العربي، بإرسال رسالة إلى القيادة السورية مع السيد خالد مشعل! أي رسالة يا أخي؟ وأي حامل للرسالة؟! هل انتهى الخيال بالجامعة العربية إلى هذا الفقر السياسي! فوق التصريحات الأولى للسيد العربي منذ أشهر، التي ما زالت الذاكرة تحملها؟!

السيد خالد مشعل يعرف أكثر من غيره ndash; كما يعرف السيد الأمين - أن قيمة الحياة الإنسانية ثمينة إلى درجة لا تقدر بثمن مادي أو معنوي، هما يعرفان أن العدو الإسرائيلي ndash; على سبيل المثال لا الحصر - أفرج عن ألف أسير فلسطيني في سبيل إنقاذ شخص واحد من مصير لا يعرفه أحد! في الوقت الذي يوافق خالد مشعل أن ينظر في رسائل وحوارات سفسطائية، والقتل اليومي والتضحية بأرواح بريئة على ساحة واسعة من الوطن السوري تحدث يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، فلم يعد الأمر laquo;مؤامرة خارجيةraquo; كما لم يعد عصابات مسلحة، إنه مطلب الحرية الذي يضرب أبواب دمشق بأيدٍ مضرجة بالدم، وهي حرية استنشقها الأشقاء، فلِمَ يحرم منها أبناء سوريا؟!

هذا السيناريو الذي تدخلت الجامعة العربية فيه ndash; بتردد وبخيال سقيم ndash; ما كان لها أن تستمر فيه؛ لأنها، ببساطة، لا تعرف المخرج أو لا يعرف بيروقراطيوها مخرجا منه غير إرسال المراسيل وإرجاء التمنيات. المطلوب من اللجنة الوزارية العربية - إن كان لها صدقية باقية - أن تطالب السيد نبيل العربي، الأمين العام، بالتنحي عن منصبه هذا؛ فهو حتى الآن لم يقرأ لا رسالة ميدان التحرير في مصر، ولا رسالة البوعزيزي في تونس ولا laquo;الزنقة زنقةraquo; في طرابلس العرب، ولا الرسائل المقبلة من صنعاء، في عدم اكتراث واضح لقيمة التحولات الراهنة على الساحة العربية، وتجاهل تام لما تشي به هذه التحولات. أن يرسل خالد مشعل برسالة إلى النظام السوري من أجل laquo;تخفيف القتلraquo; هو إهانة لا تغتفر أولا للجنة العربية الوزارية، وثانيا لكل ذي عقل على الساحتين العربية والدولية. ألا يعرف العربي ndash; مع حفظ الألقاب ndash; علاقة السيد خالد مشعل بمتخذي القرار في سوريا؟!

إنها عجيبة العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، شهود على القتل يلبسون سترات برتقالية لا يجدون من وسائل الإعانة الحديثة ما يساعد مهمتهم حتى على التوثيق، ثم رسول من أهل البيت لإقناع الرفاق بوقف القتل اليومي! إبلاغ عن حيرة من أرسل الرجال ذوي السترات البرتقالية أنه لم يعد قادرا على فعل شيء غير إرسال الرسائل! لقد وضع الجامعة العربية في موضع مساوٍ لوضع النظام في سوريا، كلاهما في نفق مظلم، والدم يسيل مدرارا، هل هناك أعمق من هذا العجز؟!

لم يعد في الملف السوري متسع غير أن تتحمل دول العالم مسؤوليتها التي تحملتها في عدد من الدول المتشابهة في الأحداث من قبل في أوروبا أو في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم. ولم يعد مجديا، والدم يسيل، الإقناع، لقد ظهرت سلبية ذلك مبكرا في تدخل الأتراك، وأيضا تدخل بعض العرب على مستوى الدولة الواحدة، كما لم يعد للمجاملة الدبلوماسية مكان يسمح بالعمل. المعادلة واضحة المعالم، إما استمرار القتل إلى نهاية ربما لكل نفس حرة في سوريا، وإما اصطحاب الملف كله بغضه وغضيضه، إلى المنظمات العالمية. المؤكد أن رسائل العربي ليست ذات جدوى ولا نتيجة، لقد تاهت مثلما تاه الرجال ذوو السترات البرتقالية.

آخر الكلام:

تشهد بلاد عربية كثيرة رسم دساتير جديدة يكتبها أناس لهم علاقة بالقرن الحادي والعشرين لأناس غير معصومين ولا شبه آلهة، لها علاقة بالدولة والحرية والمجتمع الحديث، في تشبع واضح بالأفكار الحديثة، مهما كانت الشعارات التي ترفع فإن ذلك يعيدنا جميعا إلى المربع الأول، مربع الإقصاء والرجال المعصومين!