ياسر الزعاترة

أسوأ ما في الكتابة حول الموقف الإيراني، ومن ورائه القوى الشيعية مما يجري في سوريا، وبالضرورة في العراق، هو ما يتعلق بنبرة التكفير التي تشيع في الردود والتعليقات، الأمر الذي يسيء للفكرة وصاحبها في كثير من الأحيان، وتضعه في ذات الخانة؛ خانة السب واللعن والتكفير التي يتبناها قطاع من الناس في هذه الأيام على خلفية الحشد الطائفي، الذي يتصاعد في المنطقة على نحو مخيف، والذي نحمّل بدورنا جزءا كبيرا من مسؤوليته للسياسات الإيرانية، سواء في بعدها السياسي، أو في بعدها المتعلق بالحرص على التبشير المذهبي هنا وهناك.
على أن ذلك لا يحول بيننا وبين التطرق لبعض القضايا الضرورية التي يشترك معنا في رؤيتها عدد من عقلاء الشيعة، كما نتابع في بعض المنتديات، لاسيَّما أن فريقا منهم قد أخذوا يحذرون من تأثيرات موقف إيران وحزب الله وعدد من القوى الشيعية مما يجري في سوريا على معادلة التعايش المذهبي في المنطقة، الأمر الذي يهدد بنشوب حرب مذهبية طاحنة لن يربح منها سوى أعداء الأمة.
للذين يرددون دائما قضية سب الصحابة كمبرر للتكفير نقول (مع إدانتنا الحاسمة لذلك) إن الصحابة أنفسهم قد تقاتلوا وقتل بعضهم بعضا، والقتل أسوأ من السب. ثم أن تكون للشيعة روايتهم فيما خصَّ المرحلة التالية لموت النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يستدعي ذلك إخراجهم من ملة الإسلام، وروايتهم هذه معروفة لعلماء الأمة منذ القديم، ولم يعتبر أحد منهم باستثناء القلة أنهم لم يعودوا من أهل القبلة؛ هكذا بالجملة.
مشكلتنا اليوم مع إيران وبعض القوى الشيعية هي مشكلة سياسية في المقام الأول، فعندما كان حزب الله يقاتل الكيان الصهيوني كنا معه، ولن يدفعنا أي خلاف معه إلى تجاهل البطولات التي قدمها الحزب، كما أن دعم إيران للمقاومة في فلسطين ولبنان لا يمكن إنكاره، أيا تكن النوايا.
المشكلة اليوم هي تحديدا في العراق وسوريا، فضلا عن بعض السياسات الاستفزازية في بعض دول الخليج رغم وجود مطالب مشروعة للأقليات الشيعية فيها. والحالة السورية هي من دون شك الأكثر استفزازا على الإطلاق، لاسيَّما أن laquo;التشبيحraquo; الإعلامي الذي نتابعه هنا وهناك لا يغير في حقيقة الإجماع العربي الإسلامي (السني على وجه الخصوص) على دعم الثورة السورية، بصرف النظر عن رؤية الناس السابقة لسياسات النظام فيما خصَّ المقاومة والممانعة.
في هذا السياق يبرر حزب الله وأمينه العام الموقف من بشار الأسد بحكاية المقاومة والممانعة، وقد قال ذات مرة إنه لو كان النظام في البحرين ممانعا لكان لنا رأي آخر. وهنا على وجه التحديد نجد من الضروري تذكير laquo;السيدraquo; ومن يؤمنون بخطبه بحكاية الحسين الشهيد، بل أجمل الشهداء الذي تقام له الكربلائيات السنوية على نحو مسيء للأمة في بعض الأحيان، أعني مظاهر اللطم والتطبير الذي يتابعه العالم عبر الفضائيات.
هنا نجد من الضروري تذكير laquo;السيدraquo; بأن خروج الحسين على يزيد لم يكن ذا صلة بسياسته الخارجية، أعني ما إن كان ممانعا أم غير ذلك، بل بسياسته الداخلية المتعلقة بالظلم والفساد. ولا يفوت laquo;السيدraquo; أن الحسين قد خرج على يزيد، بينما كانت جيوش الأخير (جيوش الأمة) تذهب بعيدا؛ تفتح الأمصار وتقاتل الروم وسواهم، فلماذا لم يقل أحد إن الحسين كان يتآمر مع الروم من أجل ضرب الجبهة الداخلية للأمة؟!
إن الوفاء لقيم الحسين الشهيد تتطلب الوقوف إلى جانب الشعب السوري في مواجهته لدولة الظلم والفساد التي يمثلها بشار الأسد وعائلته وعصابته، وليس ثمة من تبرير يمكن أن يكون مقبولا لاتخاذ الموقف الآخر.
لقد فعلت هذه الفتنة فعلها في الأمة، وأهل السنة الذين لم يعتبروا أنفسهم طائفة في يوم من الأيام باتوا يذهبون في الاتجاه الطائفي بسبب مواقف إيران ومن يتبعها، وعلى عقلاء إيران والشيعة أن يعيدوا النظر في مواقفهم قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة، ونجد أنفسنا أمام كارثة ستخسر فيها إيران وحلفاؤها أكثر من بقية المسلمين، مع أن الجميع خاسرون من دون شك.
في هذا السياق نقل الكاتب اللبناني laquo;العلماني الشيعيraquo; علي الأمين عن الأمين العام الأسبق لحزب الله الشيخ صبحي الطفيلي أرقه من هاجس الفتنة التي تبدو أمام عينيه، laquo;ويتحسس كوارثها في هذا الضخ المذهبي الهائل على كل المستويات، إلى حد أن الكثيرين ممن يفترض بهم تقويضها يسيرون إليها بوعي خطيرraquo;. ويعتبر الطفيلي أن مقولة laquo;حلف الأقليات تدغدغ رؤوس البعض، خصوصا من الشيعة هذه الأيامraquo;، وإن تورطوا بها: laquo;فهم يدركون قبل غيرهم أنها موصلة للشيعة إلى أحضان إسرائيلraquo;، معتبرا أن المراقب لما جرى منذ اغتيال رفيق الحريري إلى اليوم يلحظ في المفاصل الرئيسة دفعا لمشروع حلف الأقليات إلى الواجهة، وتأمين شروط قيامه بعزم إقليمي ودولي، وبتنفيذ واستجابة محلية لبنانية، حزب الله ليس خارجها. انتهى الاقتباس، فمن يسمع؟!