حسان حيدر

مع ان الأميركيين والأوروبيين، ومعهم معظم العالم، لا يرون حتى الآن في تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز سوى مناورة تنمّ عن ضعف ومحاولة توتير مكشوفة لصرف الأنظار عما يجري في سورية، فإن التلويح الاستفزازي بإقفال المجرى المائي يشكل في الواقع خلاصة laquo;طبيعيةraquo; لقراءة طهران لتوازنات المنطقة والعالم، ونتيجة laquo;منطقيةraquo; لاعتقاد قادتها السياسيين والعسكريين الراسخ ببدء مرحلة أفول النفوذ الأميركي والغربي في الشرق الاوسط.

وكان صدام حسين اعتقد في 1990 ان بإمكان نظامه وجيشه وواجبهما ملء الفراغ الناجم عن انهيار الاتحاد السوفياتي، فاتخذ القرار المشؤوم بغزو الكويت، ولا يزال الشعب العراقي يدفع من دمه وثروته ومستقبله ثمن الحسابات الخاطئة والموهومة.

اليوم يظن قادة إيران ان بإمكان نظامهم وجيشهم ملء laquo;الفراغraquo; الناجم عن laquo;الانهيار الاميركيraquo; الذي سينتج عنه في رأيهم، بعد الانسحاب من العراق والخروج المبرمج من افغانستان، انسحاب حتمي من المنطقة عموماً والخليج خصوصاً، ولذا بدأوا يتصرفون وكأنهم القوة العظمى البديلة، وباتوا يتحدثون عن إغلاق مضيق هرمز ومنع السفن الأميركية من التواجد في مياه الخليج، وكأن لا أحد سواهم هناك.

لقد انطوى الغزو العراقي للكويت على أخطاء عدة قاتلة: احتلال بلد عربي لبلد آخر في خرق فاضح لميثاق الجامعة العربية وللعلاقات بين دول ذات سيادة، وإخلال بالمعاهدات الدولية التي تكفل سيادة كل بلد واستقلاله، وتهديد الأمن الاقليمي والدولي، وتالياً تهديد الأمن الاقتصادي الإقليمي والدولي عبر الاستيلاء على آبار النفط الكويتية، ثم إحراقها. وأدى ذلك الى رد دولي وعربي منسق لكي لا تتحول السابقة الى laquo;قانونraquo; للعلاقات بين دول المنطقة.

واليوم تتجه ايران طوعاً الى ارتكاب اخطاء من العيار نفسه: فمضيق هرمز ليس ممراً بحرياً ايرانياً خالصاً، بل هناك دولتان عربيتان، هما سلطنة عمان والإمارات، تتشاطآنه، ولهما حق السيادة عليه ايضاً، وثانياً أن الممر هو الرئة البحرية لدول عربية اخرى، هي العراق والكويت والسعودية والإمارات وقطر، ولا يمكن لإقفاله سوى ان يمس بالمصالح الإقليمية والدولية، وثالثاً أن المضيق منفذ لشحنات النفط الخليجي الى العالم، ما يعني أن إقفاله يهدد الاقتصاد العالمي، بما سيسفر عنه من ارتفاع هائل في اسعار النفط وعرقلة لمحاولات الخروج من حال الركود على مستوى العالم.

ولا تكتفي ايران بعرض عضلاتها البحرية، وكذلك البرية، في مناورات قرب الحدود الافغانية، بل لجأت الى التصعيد في ملفها النووي مع بدء عمليات تخصيب اليورانيوم في موقع فوردو الجديد، ما اضطر حتى روسيا المترددة الى إبداء أسفها وقلقها ودفع الاتحاد الأوروبي الى استعجال قرار بتشديد العقوبات لتطاول قطاع النفط والبنك المركزي الإيراني.

لكن هل يتوهم الإيرانيون أنهم قادرون فعلاً على اتخاذ خطوات بمثل هذه الخطورة من دون ان يلقوا رداً مناسباً؟ وهل وصل اغترارهم بقوتهم الى حد تجاهلهم ليس فقط الدول العربية والغرب، بل حتى من لا يزالون يعتبرونهم laquo;اصدقاءraquo;، مثل تركيا وروسيا والصين التي لها مصالح في حرية الملاحة عبر الخليج وفي نفطه لا يمكنها التساهل في تعرضها للتهديد؟

إن مجرد تلويح طهران بخطوة من هذا النوع لا يشكل فقط خروجاً على مبدأ حسن الجوار مع العالم العربي الذي تدعي الحرص عليه، بل هو أيضاً استهتار أحمق بالنتائج التي انتهت اليها تجربة مؤلمة عند حدودها الغربية.