قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد عثمان

في نهاية مرافعتها أمام محكمة جنايات القاهرة، طالبت النيابة العامة في مصر بإعدام الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من كبار مساعديه، بتهمة قتل المتظاهرين عمدا خلال مظاهرات ثورة 25 يناير (كانون الثاني) الماضي. إلا أن النيابة لم تدعم اتهامها لمبارك والآخرين بأي دليل يثبت عليهم التهمة الموجهة لهم، ولن يكون أمام القاضي سوى الحكم بالبراءة. ذلك أن قاضي هذه المحكمة ملزم بتطبيق القانون الجنائي وليس له اختصاص في السياسة. والقانون الجنائي ينص على ضرورة إثبات قيام المتهم بفعل - أو مشاركته فيه - أدى إلى مقتل شخص أو أشخاص، مع سبق الإصرار والترصد، وهذا هو ما لم تتمكن النيابة من إثباته. صحيح أن مبارك بصفته رئيس الدولة كان مسؤولا عما يجري في البلاد بما في ذلك قتل المتظاهرين على يد رجال الشرطة، لكن مسؤوليته هذه مسؤولية سياسية وليست جنائية. هكذا وبعد أكثر من خمسة أشهر على محاكمة حسني مبارك، يتبين لنا بوضوح عدم اختصاص محكمة الجنايات بهذه القضية، حيث كان يجب أن تجري المحاكمة أمام محكمة سياسية.

ويبدو أن اختيار المحاكمة الجنائية كان الهدف منه ماليا وليس سياسيا، فقد طالب المدعون بالحق المدني، في حال ثبوت التهمة على مبارك ورجال الأمن، بأن تدفع لهم مبالغ مالية تعويضا عن قتلاهم، وطالبوا باستدعاء المشير طنطاوي - قائد الجيش ورئيس المجلس العسكري - واللواء عمر سليمان مدير المخابرات السابق، حتى يؤكدوا للمحكمة مسؤولية مبارك عن قتل المتظاهرين. لهذا، فبعد نفي طنطاوي وسليمان في شهادتيهما إصدار مبارك أوامر بقتل المتظاهرين، طلب المدعون بالحق المدني رد القاضي عن نظر الدعوى. لكن محكمة النقض رفضت طلب المدعين بالحق المدني، وعادت المحكمة للنظر في القضية في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث استمعت إلى مرافعة النيابة.

في البداية قدمت النيابة اتهاما إنشائيا عاما تحدثت فيه عن تصرفات مبارك ورجاله، واتهمتهم بالعمل على قتل شعب مصر بأكمله. وقالت النيابة إن مبارك خذل المصريين من أجل مصالحه الشخصية، وعمل على توريث الحكم لابنه جمال. أما بالنسبة للعادلي فقد اتهمته النيابة بتحويل جهاز الشرطة من خدمة الشعب إلى خدمة النظام. ثم وجهت النيابة إلى مبارك تهمة الاشتراك مع وزير الداخلية ومعاونيه في قتل المتظاهرين عمدا خلال المظاهرات السلمية. بعد ذلك استعرضت النيابة التكييف القانوني لقضية مقتل المتظاهرين، واعترفت بأنها لم تتوصل إلى دليل مباشر يثبت من هو الفاعل في هذه القضية، حيث إن أيا من المتهمين لم يكن له دور في مسرح الجريمة.

ولكي تفسر النيابة عدم قدرتها على الوصول إلى أدلة تدين المتهمين بالقتل العمد، اشتكت من عدم تمكنها من الحصول على المعلومات - لا من وزارة الداخلية ولا من هيئة الأمن القومي - وقالت إنها اعتمدت في تقريرها على شهادة نحو ألفين من بين أسر المجني عليهم والأطباء ورجال الشرطة، إلى جانب صور المظاهرات التي التقطتها وسائل الإعلام. كما لاحظت النيابة أن استخدام رجال الشرطة للقوة مع المتظاهرين، حدث بعد اجتماع بين وزير الداخلية ومساعديه في 27 يناير (كانون الثاني) 2011، حين أصدر رئيس الأمن المركزي تعليمات تقضي باستخدام القوة من دون الرجوع إلى القيادات.

وهكذا ضاعت فرصة الشعب المصري لمحاكمة النظام الذي أذله 59 عاما والذي قامت الثورة لإسقاطه. فالنيابة نفسها أقرت بعدم وجود دليل يدين أيا من المتهمين، ولن تتمكن محكمة الجنايات من إدانة حسني مبارك، وإن فعلت فسوف تلغي محكمة الاستئناف قرارها. كان من المفترض أن تتم محاكمة الرئيس السابق وأقطاب نظامه سياسيا أمام قضاة المحكمة الدستورية، حيث يتولى الاتهام قادة الأحزاب المصرية وممثلون عن شباب الثورة. إذ يجب أن يعرف المصريون لماذا استخدم رئيسهم الأحكام العرفية لمدة ثلاثين عاما أذل خلالها رقابهم؟ ولماذا تم تغيير الدستور حتى يسمح للرئيس بالترشح أكثر من مرتين؟ وماذا عن ميزانية الجيش التي صارت سرا ولا يعرف مقدارها سواه ولا ما صرفت لأجله؟ يجب أن يعرف المصريون لماذا منح مبارك السلطة لزوجته وولديه لاختيار الوزراء والتحكم في مصير البلد؟ ولماذا أصر على بقاء المسؤولين عن الزراعة والأراضي والثقافة والآثار بعد أن ظهر فسادهم أمام أعين الجميع؟

وعندما يعرف الناس خبايا النظام الشمولي ووسائله، فسوف يصبح في مقدورهم بناء نظام جديد يخلو من هذه العيوب. ومن دون هذا - حتى إذا تم إعدام مبارك وبطانته - سيظل المصريون يعانون من ذات النظام الشمولي الذي حكمهم منذ 1952.