حازم صاغية

منذ أواسط القرن الماضي ارتسمت ثلاثة إجماعات في الحياة السياسيّة والفكريّة العربيّة، لاسيّما المشرقيّة، وقد دارت الإجماعات هذه حول ثلاثة مفاهيم ومعانٍ: quot;الإسلامquot; وquot;العروبةquot; (أو القوميّة العربيّة) وquot;فلسطينquot;. وكانت المقادير تختلف، فيبدو أحد الأطراف (كالإخوان المسلمين مثلاً) أكثر توكيداً على الإسلام، وبعضها الآخر (كالبعثيّين والناصريّين) أكثر توكيداً على العروبة، أو يظهر من يقول إنّ تحرير فلسطين هو الطريق إلى الوحدة العربيّة، كما يظهر من يقول إنّ الوحدة العربيّة هي الطريق إلى تحرير فلسطين. بيد أنّ اختلاف مقادير التوكيد لم يحل دون التمسّك الشامل بهذه الإجماعات الثلاثة. فالناصريّون والبعثيّون كانوا، فيما هم يستأصلون quot;الإخوان المسلمينquot;، يؤكدون على ولائهم للإسلام. أمّا quot;الإخوانquot;، وباستثناء سنوات قليلة، فقدّموا العروبة كلحظة في مشروعهم الإسلامي. ولم تتوقف أيّ من الحكومات والقوى عن إعلان الارتباط بفلسطين وقضيتها، وكان الأعلى صوتاً في هذا الإعلان من يمعنون في مصادرة القضيّة والشعب والرمز سواء بسواء.

وهذا التمسّك بالإجماعات الثلاثة كان من القوة بحيث استمرّ مخففاً، أو سلبيّاً، في العقود الثلاثة الماضية التي توطدت خلالها منظومات الدولة الوطنية في العالم العربيّ. فإذا صحّ أنّ قلة تتحدث اليوم عن إنشاء وحدة عربيّة أو عن تحرير فلسطين، إلا أنّ أقلّ منها مَن يجرؤون على القول إنّ هذين المشروعين قد طويا إلى غير رجعة. أمّا الإسلام، وإشكاله فمختلف قليلاً بسبب بُعده المقدّس، فيبدو اليوم في لحظة من الانبعاث السياسيّ الصارخ على أيدي quot;الإخوان المسلمينquot; وجماعات دينيّة- سياسيّة أخرى.

هذه الإجماعات، التي عُطل نقدها طويلاً بذريعة التخوين أو التكفير، خبأت في إجماعيتها تناقضات هائلة نكتفي هنا بذكر أبرزها:

- لم تعش أيّة وحدة عربيّة، فيما الوحدة التي عاشت ثلاث سنوات فحسب بين مصر وسوريّا (1958-1961) انتهت قطيعة وعداء بين البلدين. أمّا العلاقات السوريّة- العراقيّة فلم تنحط مرّة إلى التردّي الذي انحطت إليه في ظلّ حزب قوميّ عربيّ واحد هو quot;البعث العربيّ الاشتراكيّquot;. وفي المقابل، تبدّى أنّ الشكل الوحيد لـquot;الوحدةquot; هو غزو كالذي غزاه صدّام حسين للكويت منتجاً أكبر انشقاق في التاريخ العربيّ المعاصر.

- لم يحل الإجماع المعلن حول الإسلام والحلّ الإسلاميّ دون خلافات مذهبيّة في غير بلد عربيّ، وربّما كانت الحرب العراقيّة- الإيرانيّة التي التهمت الثمانينيات والتهمت معها قرابة مليون قتيل من الطرفين، أعلى تجسيدات التناقض داخل الإجماع السياسي- الدينيّ المذكور وأشدّها دراميّة.

- لم يكن الاستقبال الذي حظي به الفلسطينيّون في البلدان العربيّة بعد 1948 دليلاً على أنّ العرب يريدون فعلاً تحرير فلسطين، أو أنهم ينظرون إلى الفلسطينيّين كـquot;إخوةquot;، ولا كان إطلاق ثورة فلسطينية من بلدين عربيّين، هما الأردن ولبنان، دليلاً على أنّ الفلسطينيّين معنيون بالأوضاع العربية بما يتعدّى قضيتهم. وفي الحالات جميعاً تأدّت عن تلك الثورة حربان أهليّتان في البلدين المذكورين وتأسّست عنصريّات متقابلة ضدّ الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين.

ما وظيفة هذه الإجماعات إذن ما دام أنها تعمل بما يعاكس قولها ودعوتها؟

نميل إلى القول إنّ تلك الإجماعات المستحيلة التحقق إنما عملت، ولا تزال تعمل، للحيلولة دون الإجماعات الممكنة، أي تلك التي تدور حول وطنيات ودول قائمة. وليس من دون معنى ودلالة أن نجدنا أمام حالة غريبة مفادها أنّ العراقيّين، مثلاً، لا يتفقون حول معنى العراقيّة، وكذلك السوريّون حول معنى السورية، فيما الشعوب جميعاً quot;متفقةquot; حول الإجماعات الثلاثة الآنفة الذكر والعابرة الحدود!

فمنذ بداية دولنا الحديثة تم تعريض هذه الدول لشكّ أصليّ وجذريّ، مفاده أنّ الاستعمار هو من أنشأها ورسم حدودها. ولئن استقرّت فوق صدر هذه الدول أنظمة سيّئة وفاسدة وفئويّة، فإنّ الاعتراض عليها لم يصدر عن تصوّر آخر لبناء الدولة، بل عن هذه التنويعة أو تلك من إيديولوجيّات الإجماعات الثلاثة الناسفة للدولة أصلاً وفصلاً.

وفي هذه الغضون رُسم الإجماع الوحيد المطلوب والممكن، أي الإجماع حول الدول والوطنيّات القائمة، بوصفه quot;انعزاليّةquot;، وفي أحسن الأحوال quot;قـُطريّةquot; مذمومة. وكان المدهش أنّ الأنظمة العربية، في معظمها وإن لم تكن كلها، شاركت في هذا الاستبدال الذي يعطي الأولويّة للإجماعات الثلاثة المستحيلة على الإجماع الممكن والمطلوب، مع أنها هي التي تتولى بناء الدول الوطنية وقيادتها. ولأسباب تاريخية لا يتسع لها المجال هنا، كانت منطقة المشرق الأكثر استعراضاً لهذه الظواهر، كما وصل ذاك الاستبدال إلى ذروته العبثيّة في بلد كسوريّا التي سمتها سلطتها الحاكمة quot;قـُطراًquot;، فيما لجأ العهد الذي فسخ عروة وحدتها مع مصر في 1962 إلى التخفيف من دلالة سوريتها، بحيث صارت quot;جمهوريّة عربيّة سوريّةquot;.

وواقع الحال أنّ ذاك الاستبدال عكس حالة مجتمعية اتخذت شكلاً جماهيريّاً، بقدر ما عكس تطلباً موضوعيّاً من قبل الأنظمة والسلطات. فمن خلاله استأنفت الجماعات والأقوام العربية نزاعها مع الغرب وما حمله معه من حداثة سياسيّة تعبر عنها الدولة الأمة الوطنية. وفي هذه الحدود وشى الإلحاح على العروبة والإسلام بالرغبة في النكوص إلى عالم ما قبل الاحتكاك بالغرب، وما قبل قيام الدولة الأمة الوطنية. أمّا التثبت عند لفظية الصراع على فلسطين فنمّ عن الرغبة في تخليد هذا الاشتباك مع الغرب والحداثة السياسيّة والوطنية، وهو ما لاقته في منتصف الطريق سياسات عدوانية إسرائيلية وغربية. وفي الحالات جميعاً، حملت الإجماعات الثلاثة ميلاً إلى نفي المسؤوليّة الذاتيّة quot;عمّا يحصل لناquot;، والنظر إليه كتعبير آخر من تعابير quot;المؤامرةquot; المتصلة على العروبة والإسلام وفلسطين.

أمّا الأنظمة فوفرت لها الإجماعات الثلاثة فرصة كبرى لنفي السياسة إلى الخارج، ومن ثم منع السياسة أو إماتتها. وبهذا انعدم كلّ قياس يقاس به الإنجاز الوطنيّ كما انعدمت شروط المحاسبة من أيّ نوع. وبهذا وذاك اكتسب الطغيان حجّة منيعة معززة بدعم quot;الجماهيرquot; التي هي الضحيّة الأولى لذاك الطغيان!