قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مهى عون

حاولت تركيا في الأشهر الأولى لانتفاضة الشعب السوري, اقناع النظام بضرورة الرضوخ للإرادة الشعبية, فالتنحي طوعاً, حقناً للدماء, بعد أن تعذر عليه تنفيذ ما كان تكلم به من إصلاحات. مع العلم أن فشل النظام في تطبيق ما كان وعد به أكثر من مرة ليس عائدا لقصر في الديبلوماسية التركية, بل لمبدأ عدم, وهو عدم قدرة أي حكم أحادي ديكتاتوري على إصلاح نفسه, أو يندحر. فمبدأ الإصلاح بحد ذاته يتناقض بشكل جوهري مع علة وجود النظام الأحادي, ومن غير المستبعد ألا يكون هذا المبدأ خافيا على النباهة التركية, إلا أن تلك القناعة لم تؤخر الديبلوماسية التركية من التوجه إلى دمشق تحت عنوان quot;الإصلاحاتquot; بالذات. وهي قناعة نابعة من التضارب بين ما يسمى إصلاحات وبين المطالب الشعبية التي كانت وما زالت على مستوى آخر مختلف تماماً, ألا وهو رفض أي شيء من هذا النظام, بالمطلق, وأيا كانت التسمية.
اتسمت الديبلوماسية التركية في بدايتها بالليونة في تعاطيها مع النظام السوري, ومن بعدها علت اللهجة وأحتد الحوار. إلا أن أيا من هاتين الوسيلتين لم تفلحا في إقناع النظام, بضرورة القيام بما يتوجب عليه القيام به نزولاً عند الرغبة الشعبية الحقيقية. والملاحظ أن المبادرة التركية تراجعت نتيجة اصطدامها بهذا التعنت السوري, ما أدى الى انكفاء نسبي للمبادرة التركية, لمصلحة تسليم الملف للجامعة العربية. بيد أن تركيا لم تخرج هاجس الوضع السوري من رأسها, ولا من حساباتها وستراتيجيتها, بدليل ما جاء على لسان وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو في بيروت منذ فترة قصيرة, حيث نقل عنه قوله: quot;أن الأزمة في سورية أخذت تقترب من التدويل, لأن مجلس الأمن لا يمكنه أن يلوذ بالصمت إلى الأبد حيال ما يجري فيها من أحداث داميةquot;, مشيرا إلى أن quot;تركيا باتت تتعاطى مع النظام السوري على أساس أنه انتهىquot;.
وكانت تركيا في وقت سابق قد سمحت للقوات السورية المنشقة بقيادة الضابط رياض الأسعد باللجوء إلى منطقة حدودية محمية من التدخل السوري, كما أقامت مخيمات للاجئين على الحدود للذود عنهم من نير الآلة العسكرية التابعة للنظام. واليوم ورغم تحول الملف السوري إلى يد الجامعة العربية, لا يمكن الجزم بالانكفاء التركي التام حيال الوضع السوري . فالاهتمام التركي سوف يظل يحتل المرتبة الأولى, كون سورية هي الدولة الجارة التي تربطها معها حدود تصل إلى 880 كيلو مترا, ناهيك عن الملفات الساخنة التي تعني البلدين ومنها المشكلة الكردية ذات الصلة بحزب العمال الكردستاني, ومنها قضية العرب الأتراك, والعلويين وملفات مشاكل المياه, والصراع العربي -الإسرائيلي, ومشروع شرق الأناضول وتأثيراته الاقتصادية والسياسية على البلدين.
والجدير بالذكر هو أن تراجع الدور التركي الذي أتى في غالبيته من تكرار الاصطدام بتعنت النظام السوري, هو متأتٍ أيضاً من قلق من ارتدادات هذا الفشل في التوصل إلى مخرج من المراوحة في هذا الوضع الشائك, على الداخل التركي, حيث أن تعاطي النظام مع هذه الانتفاضة الشعبية بهذا الشكل المجرم وغير الإنساني بات يثير موجات من الشجب والاستنكار والغضب على صعيد الشريحة السنية التركية. واتقاءً من هكذا عدوى طائفية قد تكون الديبلوماسية آثرت الانكفاء النسبي لإدراكها بأنها هي ربما بصدد محاربة طواحين الهواء وبأن الوضع الداخلي في سورية بات يتعدى قدرتها على الحل. سلمت تركيا الملف إلى الجامعة العربية, إلا أنها ما زالت تراقب عن بعد طريقة تعاملها معه, وتترقب وتتفاعل مع ردات الفعل على الصعيد الداخلي.
وفيما دخلت المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام السوري شهرها الحادي عشر, وفي خضم احتقان الوضع الداخلي, تمكنت الجامعة العربية, من إرسال لجان مراقبة إلى الداخل السوري من دون هدف سوى مهمة مراقبة ما يجرى. وهو تصرف كان يتعذر على تركيا فعله بغض النظر عن عدم جدواه الفعلية على أرض الواقع.
يبقى أن كل المؤشرات باتت تدل اليوم على أن الجامعة العربية المتميزة بنشاط الوساطة القطرية, ليست بوارد التراجع ولا هي بصدد التخلي عن المبادرة العربية حتى ولو جاء موقف رفض هكذا مبادرات من قبل الشارع السوري نفسه على خلفية اعتباره بمثابة مهل إضافية للنظام السوري, وهو موقف اعتمدته وأعلنته مرجعيتا الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري. ولكن رغم من هذا الموقف المشترك, لايزال أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, يصر على تأييده لمشروع إرسال قوات عربية إلى سورية تكون موكلة بمهمة مختلفة هذه المرة, ألا وهي وقف أعمال العنف. وليس خافياً طبعاً على الجميع بدءاً بالديبلوماسية القطرية أن هكذا برنامج هو غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع, على خلفية أن أعمال العنف هذه ليست مجرد أعمال عنف بين فريقين مطلوب التوسط السلمي بينهما, بل هي عنف يمارس من طرف جائر مسلح على آخر أعزل سوى من الصدور العارية .قد تكون مدركة قطر أن كلمة quot;إيقاف أعمال العنفquot; ليست في محلها, ولكنها على ما يبدو ماضية في برنامجها, ومدركة أن القوات المنوي إرسالها قد لا يمكنها أن تتحول إلى قوات ردع قادرة على إيقاف شلال الدم.
وبهذا الخصوص يرى العديد من المراقبين أن مبادرة قطر قد تعد تقديما إضافيا للوقت بانتظار تبلور الحل النهائي بعد تغيير مرتقب قد يطرأ على الموقف الروسي نتيجة مغريات أو ضغوطات تمارس عليه. وعن مصادر في الأمم المتحدة وفي هذا الموضوع بالذات وردت معلومات تفيد بأن مجلس الأمن لايزال غير قادر على التعامل مع الملف السوري بسبب الموقف الروسي المتشدد والذي سبق له أن استخدم حق quot;الفيتوquot; لمنع إدانة النظام السوري.
قد يكون الموقف القطري مربكاً اليوم أسوة بالموقف التركي المنكفئ سابقاً, إلا أن الأمور باتت مرهونة بالموقف الروسي, وفقط بالموقف الروسي, وخارج طبعاً عن إطار القرار المستقل للنظام السوري. فالمعطيات كلها تشير الى بشار الأسد فقد كل عناصر المبادرة الذاتية حتى قرار استقالته وتنحيه, وأصبح رهينة الموقف الروسي.
ما يعني أن مصير النظام السوري بات على شفير الهاوية, حيث أن أي تراجع مفاجئ للدعم الروسي سوف يؤدي إلى تطورات ميدانية سريعة, تعجل بحمل الملف السوري إلى طاولة مجلس الأمن, حيث يصبح بعدها التدخل الأممي أمرا مفروغا منه, ومسألة وقت تتعلق بالتحضيرات اللوجيستية لهذا التدخل.