لندن

اختتم وزراء خارجية الدول العربية اجتماعهم المخصص لبحث تقرير المراقبين في سورية والخطوات التي يمكن اتباعها بناء عليه باظهار حالة من الارتباك غير مسبوقة، وربما يعود ذلك الى وجود انقسامات حادة بين الوزراء، وبالتحديد بين جناح الصقور الذي يضم وزراء خارجية مجلس التعاون، وبين الحمائم ومعظمهم من دول معارضة لاي تدخل عسكري عربي او اجنبي في سورية مثل الجزائر ومصر والسودان ولبنان والعراق.
تقرير المراقبين ركز ولاول مرة على وجود اعمال عنف من الجانبين، اي القوات السورية من ناحية، والجيش السوري الحر وجماعات مسلحة من ناحية اخرى، كما اعترف بالتزام النظام ببعض نقاط المبادرة العربية مثل الافراج عن معتقلين وسحب بعض الآليات العسكرية من المدن، ولكنه اكد في الوقت نفسه ان هذا الانسحاب لم يكن كاملا، كما ان المراقبين لا يعرفون عدد المعتقلين وهناك من يقدرهم بعشرات الآلاف.
قرار وزراء الخارجية بتمديد عمل لجنة المراقبين لمدة شهر آخر هو دليل افلاس، وانعدام البدائل الاخرى، ونجاح جناح 'الحمائم' في كبح اندفاعة جناح الصقور، فقد بدأت لهجة وزراء الخارجية تتسم بلهجة اكثر هدوءا واقل تصعيدا، عما كان عليه الحال في السابق حيث كان الوزراء يهددون النظام السوري بعقوبات قاتلة مثل وقف رحلات الطيران، ومقاطعة البضائع السورية، ويمهلون النظام بضعة ايام للتطبيق والا عليه تحمل العواقب الوطنية.
الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي عبر عن استياء جناح الصقور من التمديد لفريق المراقبين العرب بالاعلان عن سحب المراقبين السعوديين، لان بلاده لا تريد ان تكون شاهد زور على قتل المواطنين السوريين برصاص النظام، وهذه هي المرة الاولى التي نستمع فيها الى موقف سعودي داخل اروقة الجامعة العربية، ناهيك عن كونه موقفا قويا او ضعيفا، فقد غاب الموقف السعودي الحاسم تجاه الملف السوري طوال الاشهر الماضية، وفضل وزير الخارجية السعودي الالتزام بالصمت، وترك الامور لنظيره القطري الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير الخارجية.
هناك تفسير واحد لهذا التشدد السعودي العلني والمفاجئ، وهو ازدياد سخونة الوضع المتفجر في مضيق هرمز، ورغبة السعودية في اخذ زمام المبادرة لدعم اي توجه غربي ضد ايران، وبالتالي حلفائها في سورية ولبنان والعراق، وربما في فلسطين ايضا (حركتي حماس والجهاد الاسلامي).
المعارضة السورية الممثلة بالمجلس الوطني اصيبت بخيبة امل كبرى لان بيان وزراء الخارجية العرب لم يتخذ موقفا بنقل الملف الى مجلس الامن الدولي، ولذلك قرر المجلس اخذ زمام المبادرة بنفسه لتدويل الازمة، والذهاب الى الامم المتحدة مثلما قال معظم المتحدثين باسمه في مقابلاتهم التلفزيونية وعلى رأسهم الدكتور برهان غليون.
مطالبة وزراء الخارجية العرب مجددا بوقف القتل، والافراج عن المعتقلين، وسحب الدبابات من الشوارع، وتشكيل حكومة وحدة وطنية هي دليل على ان وزراء الخارجية العرب وصلوا الى طريق مسدود في تحركهم تجاه سورية، مثلما هي دليل ايضا على تراجع الخيارات العسكرية لحماية المدنيين السوريين، فالدعوة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية في سورية اعتراف صريح بهذه الخلاصة، وتوجه نحو الحوار للتوصل الى تسوية سياسية.
عدم صدور قرار عن وزراء الخارجية بالذهاب الى مجلس الامن يعكس قناعة بان هذه الخطوة غير عملية، لان 'الفيتوين' الروسي والصيني جاهزان لمنع التدويل او صدور اي قرار بتشريع عمل عسكري ضد النظام السوري، تماما مثل 'الفيتو' الامريكي الجاهز دائما لمنع اي مشروع قرار عربي بادانة اسرائيل او فرض عقوبات عليها بسبب الاستيطان او اجتياح قطاع غزة.
وزراء الخارجية العرب اعترفوا بان الازمة في سورية تنزلق الى حرب اهلية طائفية، وان لم يقولوا ذلك بمثل هذا الوضوح، وربما يلجأ هؤلاء، او الصقور منهم الى صب الزيت على نار هذه الحرب، من خلال ضخ الملايين لتجنيد المتطوعين والاستشهاديين منهم خاصة، وتمويل عمليات شراء اسلحة وتهريبها الى من يريد استخدامها ضد النظام السوري.
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني قال قبيل سفره الى الولايات المتحدة قبل اسبوع ان سورية ستشهد اياما صعبة في الفترة المقبلة، وربما يشير ذلك الى هذا السيناريو الخطير، اليس هو اول من تحدث عن الهلال الشيعي الذي يتحول بدرا هذه الايام؟!