قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حازم صاغية


حين وافق laquo;حزب اللهraquo; اللبناني على الصيغة الحكومية المعروفة بـ8- 8- 8 استغرب كثيرون، خصوصاً بعدما ذهب الحزب بعيداً في إدانتها وفي تمسّكه بصيغة 9- 9- 6 التي تلبّي معظم رغباته الآنية. وهذا لا يعني أنّ موافقته انتصار مدوٍّ لجماعة 14 آذار، الشيء الذي يفسّر اعتراض laquo;القوّات اللبنانيّةraquo; على الصيغة المقتَرحة واعتبار أنها لا تفي بالغرض، ولا تضمن انسحاب مقاتلي laquo;حزب اللهraquo; من سوريا.

لكنْ يبقى من اللافت تراجع laquo;حزب اللهraquo; الأخير، وما إذا كان لتراجع كهذا أن يفتتح تراجعات أخرى على الطريق؟

هنا، لا بأس في العودة إلى الظروف التي لازمت نشأة الحزب كما لازمت مراكمته للقوة، ومن ثم قياس تلك الظروف بالظروف الراهنة التي يعيشها لبنان والمنطقة.

ففي أوائل الثمانينيات، حين ولد الحزب، كانت الثورة الإيرانيّة في عزّها، وهي منذ أيامها الأولى انخرطت في مواجهة رأسية مع الولايات المتحدة استهلها احتلال سفارتها في طهران. أما اليوم، فأغلب الظن أن تكون إيران في غير هذا الوارد. فهي تحاور laquo;الشيطان الأكبرraquo; في الموضوع النوويّ، ويُرجح، وفقاً لما ذكره وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أن يمتد الحوار إلى مسائل إقليمية في عدادها laquo;حزب اللهraquo;.

أما إذا صحت توقعات البعض من أن التحول الإيراني سيفضي إلى صِدام بين laquo;براغماتييraquo; النظام وlaquo;متطرفيهraquo;، وربما إلى تقويض النظام ذاته، فهذا ما يلغي مرة وإلى الأبد إمكان الاعتماد على إيران كمصدر مالي وتسليحي وإيديولوجي لـlaquo;حزب اللهraquo;.

كذلك ففي أوائل الثمانينيات، كان النظام السوري طرفاً قوياً متماسكاً. صحيحٌ أنه مني بضربة موجعة إثر اجتياح الإسرائيليين للبنان في 1982. إلا أنه نجح في ترميم نفوذه اللبناني عبر أدوات محلية كان أبرزها laquo;حزب اللهraquo;. بعد ذاك، ولا سيما مع توقيع اتفاق الطائف، استعاد النظام السوري وزنه وتأثيره اللذين وظفهما لأغراض عدة من أهمها تعزيز الحزب وتقويته.

أما الآن فتحول النظام المذكور عبئاً على الحزب الحليف الذي اضطر إلى إرسال مقاتليه إلى سوريا دفاعاً عن نظام الأسد الذي يتهاوى.

إلى ذلك، أحرز الحزب، بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان في 2000، ثمّ بعد حرب يوليو (تموز) 2006، درجة غير مسبوقة من التأييد في العواصم والمدن العربية والسنية، وصارت صور أمينه العام حسن نصر الله تعلق على الجدران في عمّان والقاهرة وتونس. لكن إذا كان مقتل رفيق الحريري في 2005 بدأ يطرح بعض الشكوك في ما خص الحماسة للحزب، فإن اجتياحه بيروت في 2008 عزز تلك الشكوك كثيراً. وقد حُسم الأمر تماماً لغير صالح الحزب مع تدخله في سوريا الذي اعتُبر عملاً فئوياً وطائفياً، ووقوفاً إلى جانب نظام يقتل شعبه.

هكذا، وفي غضون سنوات قليلة، نزعت الأكثريات العريضة في العالم العربي يافطة المقاومة عن laquo;حزب اللهraquo; وباتت لا ترى فيه إلا حزباً طائفياً معادياً. وكان ما يفاقم هذا الشعور اتساع رقعة المواجهات الطائفية من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا.

والتحول هذا يتبدى على نحو أشد حدة وكلفة في لبنان نفسه، خصوصاً إذا حسبنا أن مئات آلاف السوريين السنة قد انتقلوا إليه. فكيف وأن هؤلاء أضافوا جرحهم الناجم عن تهجير ساهم فيه laquo;حزب اللهraquo; إلى جرح السنة اللبنانيين الذي لم يتوقف عن النزف منذ اغتيال الحريري؟

كذلك ففي أوائل الثمانينيات كان شعار مقاتلة إسرائيل لا يزال يملك بعض الحرارة، كما كانت هناك أراض لبنانية معتبرة في يد الاحتلال الإسرائيلي. وهذا ما أعطى الحزب الذريعة التي بالغ في استخدامها، كما أضعف حجة المطالبين بنزع سلاحه مثله في ذلك مثل سائر المليشيات. إلا أننا في تلك الغضون شهدنا تطورات بالغة الأهمية لغير صالح المزاعم الصادرة عن laquo;حزب اللهraquo;. فالسلام المصري- الإسرائيلي تكرس وصار موضع إجماع بين القوى السياسية المصرية. وبدورهم توصل الفلسطينيون إلى سلام مع الدولة العبرية في 1993، وبعد عام واحد توصل الأردنيون إلى اتفاق سلام آخر معها. وإذا صح أن صعوبات كثيرة لا تزال تحف بالعلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية، فالصحيح أيضاً أن العنف بات مستبعداً جداً كوسيلة للتغلب على تلك الصعوبات. وما الوضع الراهن لحركة laquo;حماسraquo; في قطاع غزة سوى البرهان الساطع على ذلك. أما سوريا، فترافق كلامها النضالي والممانع مع امتناعها عن إطلاق أية طلقة على إسرائيل منذ توقيعها اتفاق فض القوات في 1974. والحال أن لبنان نفسه شهد الانسحاب الإسرائيلي من أرضه في 2000، بحيث ظلت في يد الإسرائيليين مزارع شبعا التي رفض النظام السوري الإقرار بلبنانيتها، والتي تبقى في جميع الحالات قابلة للتحكيم والحل السياسيين. والأنكى من ذلك أن laquo;حزب اللهraquo; نفسه توقف عن كل مقاومة منذ صدور القرار 1701 في 2006، وصار جهده الرئيسي منصباً على الداخلين اللبناني ثم السوري. وهذا ما يقطع كل شك في ما خص طابعه المليشياوي الذي ينبغي أن يُلزمه بكل ما أُلزمت به المليشيات اللبنانية من تسليم سلاحها مع اتفاق الطائف.

هكذا باتت الجبهات العسكرية المفتوحة مع إسرائيل شيئاً من الماضي الذي يزداد ابتعاداً وبرودة. فحينما انفجرت الثورات العربية، خصوصاً منها السورية، تبين أن الهموم المحلية للمواطنين العرب لم تترك إلا حيزاً بالغ الضآلة للشأن الإسرائيلي.

فوق هذا، وفي الحسابات اللبنانية البحتة، يجوز كثيراً الشك في أن يتقبل الشيعة، إلى ما لا نهاية، تقديم الأضاحي في سوريا فيما الانتصار مستحيل. وهذا علماً بأن تاريخ الالتفاف الشيعي حول laquo;حزب اللهraquo; هو تاريخ قناعتهم بأنهم يحرزون الانتصارات ويراكمونها. كذلك يُشك كثير في أن يمضي المسيحيون المؤيدون لميشال عون في دفاعهم عن الحزب الذي يتزايد تدخله المكلف في سوريا، كما يتعاظم فرزه لطائفته عن باقي اللبنانيين اجتماعياً وثقافياً.

ألا تشي هذه التحولات، والتحولات المحتملة، بأن laquo;حزب اللهraquo; سيضطر إلى الاختيار، عاجلاً أم آجلاً، بين التغيّر والتحول حزباً سياسياً وبين الموت؟