عادل درويش

معظم من يكتبون تعاطفا مع مصر في الخلاف مع إثيوبيا حول مشاريع تؤثر على النيل لم يبحثوا في التاريخ القريب، كمطالعة كتابي قبل 23 عاما «Water Wars: Coming Conflicts in The Middle East» (حروب المياه: الصراعات القادمة في الشرق الأوسط)»، وثلثه عن حوض النيل.


ولا يلوم المصريون أحدا سوى أنفسهم؛ فالدلائل تتوقع مشروع الحبشة منذ الخمسينات، وكان يمكن تجنبه بمزيج من حلول لا يملك الإثيوبيون سوى قبولها. اتبع المصريون دبلوماسية خاطئة بدلا من حلول استراتيجية قدمناها مجانا (مع زميلي في سنوات بحث الكتاب المرحوم جون بوللوك) لتجنب أزمة كانت متوقعة؛ وللأسف نصائحنا تجاهلها المسؤولون المصريون.


قدمت الـ«سي إن إن» برنامجا عن الكتاب عام 1994، وتبعتها «بي بي سي» وشبكات أميركية وأوروبية (آخرها الخدمة الإنجليزية لـ«روسيا اليوم» عام 2014)، ولم تتناول محطة تلفزيونية مصرية الأمر رغم ترجمة الكتاب للعربية (بتعليمات من الرئيس الأسبق حسني مبارك)، والتي نشرتها «دار المعارف» عام 1996.
&

وكتبت في صحيفة «المصري اليوم» (2009) مقالين مقترحا «..استراتيجية مصرية تشمل خططا سياسية واقتصادية وهندسية وعسكرية؛ ودبلوماسية لا تعطي الصحافة انطباع إسقاط الخيار العسكري». واستشهدت بقول الرئيس الراحل أنور السادات واعدا بألا يخوض حروبا سوى للدفاع عن الأمن القومي «اللي يمد إيده على نهر النيل هاقطعها».


قبل 3500 عام أرسلت الملكة حتشبسوت (1507 - 1485 ق.م) أسطولا من 84 سفينة لاحتلال ما حول بلاد بونت (القرن الأفريقي والحبشة) لتأمين تدفق النيل، ثم عقدت اتفاقيات حماية وتجارة (بعد تدريب السكان على تقنيات الزراعة) لشراء كل منتجاتهم، فاعتمدوا اقتصاديا على مصر.


وكنا اقترحنا مشاريع كهرباء هيدروليكية وسكة حديد ودعم أثمان محاصيل تدر دخلا يفوق صافي عائد إثيوبيا بعد موازنة تكلفة بناء سدود بالدخل بعد إنجازها، والتشديد على أن المفاوض الماهر لا يستبعد أي خيار حتى العسكري لزيادة قيمة أوراقه.


وللشهادة التاريخية، لم يقلل نظام مبارك من ميزانية نشاط المخابرات المصرية في حوض النيل أو القوات المصرية المدربة على أجواء أفريقيا منذ نهضة محمد علي باشا والعهد الملكي (1805 - 1953). وكانت كتيبة من هذه القوات تولت حفظ السلام في الكونغو عام 1960 كبداية تعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية، وكانت أكثر القوات الإقليمية تنظيما وكفاءة، وهي من تدريب الإنجليز.


معاهدة حوض النيل، التي صاغها السير ونستون تشرشل ووقعت عام 1929، منحت مصر سيادة إيجابية على جميع فروع وروافد ومنابع نهري النيل الأبيض والأزرق. وتشرشل كأحد أعظم رجال الدولة في العصور الحديثة تمتع برؤية استراتيجية مستقبلية، واعتبر حوض النيل وحدة جيوبوليتكية (سياغرافية) متكاملة في كتابه «حرب النهر» عام 1911: «النيل شجرة، جذورها في هضبتي أواسط أفريقيا والحبشة، والجذع السودان، وتاج الشجرة الأخضر الذي يوفر الغذاء واستمرار حياتها هو مصر، ولذا فلها السيادة الكاملة، فبلا ضمان لحيوية التاج الأخضر تموت بقية أجزاء الشجرة».


ومثلا، لم تشيد أوغندا سد شلالات أوين (1951 - 1954) إلا بعد موافقة مصر عام 1949 بإشراف مهندسي الري المصريين على فتح أو إغلاق عيون السد، وتعهد الجيش المصري بالدفاع عن الإنشاءات.
أرشيفا الصحافتين المصرية والبريطانية عام 1959 يتضمنان مقالات تشبه الرثاء والحزن، عقب كارثة خيمت على مهندسي الري (البريطانيين السابقين) في مصلحة الري المصرية. فبعد تمزيق أمة وادي النيل،

وقت فاقت مساحة مملكة مصر والسودان (1899 - 1955) الممتدة من المتوسط إلى المناطق الاستوائية مساحة غرب أوروبا، استبدل نظام جمال عبد الناصر بمعاهدة تعطي السيادة الكاملة لمصر اتفاقية تقسيم مياه النيل عام 1959، مضعفا موقف مصر ومسجلا سابقة تاريخية كارثية. وجاءت التبريرات المقهقهة في شر بليتها أن «معاهدة 1929 صممها الاستعمار البريطاني ونحن الآن أحرار» («ويا فرحتي» - في قول المرحومة ماري منيب - بحرية بدأت مسلسل تناقص حقوق مصر في النيل). ولأنه لا صوت كان يعلو وقتها فوق صوت الوحدة العربية «اللي ما يغلبها غلاب»، بأهداف آيديولوجية صرفت طاقات وجهود مصر عن مصالحها في أفريقيا، فقد أخرست أصوات المحذرين.


القانون الدولي معقد ومتناقض في ما يتعلق بالمياه خاصة العابرة للحدود؛ لكن مبدأ «حق الاستخدام التاريخي» (historic customary uses) له الأولوية في حل المنازعات.


وقانونيا، الحفاظ على الحصص الكاملة التي يستهلكها بلد أسفل النهر لتاريخ طويل أمر مقدس، بحيث لا يمكن لبلد أعلى النهر (إثيوبيا أو تنزانيا مثلا) إقامة أي مشاريع تقلل من كميات اعتاد البلد الأول استهلاكها تاريخيا. ولا أعرف بمؤرخ، أو خبير قانوني أو هيدروليكي، وجد حاجة بمصر لتوقيع اتفاقية 1959 بدلا من إضافة مذكرات تفسيرية لتحديث معاهدة 1929.


في مقابلات مع مسؤولين مصريين (منهم السكرتير العام الأسبق للأمم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي)، شددنا على ضرورة التركيز في أي مفاوضات للنيل على حق الاستعمال التاريخي، وتفوق قيمة المعاهدة في القانون الدولي على الاتفاقية.


في ديسمبر (كانون الأول) 1989، تعمد مستوى سياسي عال في مصر أن تصلني معلومات موثقة بشأن وجود خبراء إسرائيليين في إثيوبيا (شملت إريتريا وقتها) يدرسون مواقع على النيل الأزرق. وعلمت بنية الخارجية المصرية استدعاء السفير الإسرائيلي في القاهرة لطلب تفسير، واستدعاء سفير إثيوبيا لإنذاره بانتهاك بلاده للمعاهدات بإعداد مشاريع نهرية بلا إذن من مصر التي من حقها اتخاذ أي إجراء تراه مناسبا لحماية أمنها القومي.
نشرت الخبر بتحليل عن الخلفية لتنفرد به صحيفة («الإندبندنت» البريطانية وقتها التي كنت أعمل بها)، عشية استدعاء الخارجية المصرية للسفيرين. نقلت وكالات الأنباء الخبر فنشرته صحف إسرائيل، واتهم وزير الصحة الإسرائيلي وقتها يعقوب تسور (من تحالف العمل) رئيس الوزراء إسحق شامير في الكنيست بسياسة تهدد العلاقات مع البلد الوحيد الموقع معه معاهدة سلام. وانسحب الخبراء الإسرائيليون من إثيوبيا بسبب موقف مصر الحازم.
إحدى أهم نقاط الاستراتيجية كانت ضرورة إصرار مصر على ألا تفاوض كل بلدان حوض النيل الإحدى عشرة معا؛ فجغرافيًا وقانونيًا هناك نهران: النيل الأبيض والنيل الأزرق. مفاوضات تشمل أربع دول (الحبشة، وإريتريا، والسودان، ومصر)، وأخرى تشمل تسعا (بوروندي، ورواندا، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، والكونغو، وجنوب السودان، والسودان، ومصر). ولم تلتزم مصر بالاستراتيجية.
وهذا حديث مقال آخر.
&