عبدالله بن بجاد العتيبي

الاستعداد ‬الدائم ‬للأزمات، ‬والتخطيط ‬السليم، ‬وبناء ‬المؤسسات ‬الفاعلة، ‬وانتقاء ‬المسؤولين، ‬والحرص ‬على ‬البناء، ‬وتحقيق ‬الإنجازات، ‬جعل ‬من ‬دبي ‬ودولة ‬الإمارات ‬العربية ‬المتحدة ‬متأهبةً ‬على ‬الدوام، ‬لإنجاز ‬المهام ‬والتفرغ ‬للفرح.

إن ‬رمزية ‬العام ‬الجديد ‬واحتفالاته ‬لم ‬يستطع ‬أن ‬يعكّر ‬صفوها ‬حريقٌ ‬طارئ ‬في ‬أحد ‬الفنادق، ‬وللمقارنة ‬فقط، ‬فقد ‬ألغت ‬بعض ‬الدول ‬احتفالاتها ‬بسبب ‬تهديدات ‬محتملة، ‬واستنفرت ‬دول ‬أخرى ‬في ‬أوروبا، ‬بينما ‬وعلى ‬الرغم ‬من ‬الحريق ‬العارض، ‬استمرت ‬دبي ‬في ‬صنع ‬الفرح ‬والتطلع ‬للمستقبل. صنعت ‬الرؤية ‬الحديثة ‬التي ‬تبناها ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬راشد ‬من ‬دبي ‬دانةً ‬للدنيا ‬وجوهرةً ‬للعالم، ‬ونموذجاً ‬تنموياً ‬باهراً، ‬مع ‬حرصٍ ‬دائمٍ ‬على ‬استقرار ‬الأمن ‬ورفاه ‬المواطن ‬والمقيم، ‬وأن ‬تكون ‬موئلاً ‬للفرص، ‬وحلماً ‬للمنجزين، ‬وبيتاً ‬للمبدعين.


النجاح ‬المستمر ‬والتطور ‬الدائم ‬والحرص ‬الشديد ‬على ‬اللحاق ‬بركب ‬الحضارة ‬له ‬أثران ‬متضادان، ‬فلدى ‬المحبين ‬يقدم ‬نموذجاً ‬مهماً ‬للنجاح ‬والتنمية ‬والتقدم ‬والرقي، ‬ولدى ‬الكارهين ‬يورث ‬حقداً ‬دفيناً ‬تظهره ‬الأحداث ‬وحسداً ‬مقيتاً ‬تعبر ‬عنه ‬المواقف ‬وردود ‬الأفعال، ‬وهكذا ‬كان.

ففي ‬أغلب ‬دول ‬العالم ‬كان ‬حريق ‬كهذا ‬كفيلاً ‬بإلغاء ‬الاحتفالات ‬وإيقاف ‬الفعاليات، ‬ولكن ‬دبي ‬مدينة ‬مختلفة، ‬فالمؤسسات ‬الجاهزة ‬على ‬الدوام ‬لأي ‬طارئ ‬تحكم ‬قبضتها ‬على ‬الأرض ‬أمناً ‬واستقراراً ‬وعناية ‬ورعايةً ‬لكل ‬الموجودين ‬على ‬أرض ‬دولة ‬الإمارات، ‬وفرض ‬الالتزام ‬الصارم ‬على ‬كل ‬المرافق ‬بإجراءات ‬السلامة ‬والجاهزية ‬الكبيرة ‬للدفاع ‬المدني ‬والشرطة ‬أمكنت ‬صانع ‬القرار ‬من ‬الاطمئنان ‬على ‬سلامة ‬الجميع ‬والمضي ‬قدماً ‬في ‬الأفراح ‬والاحتفال ‬والابتهاج.

لم ‬تنته ‬التحقيقات ‬بعد ‬في ‬أسباب ‬الحادث، ‬والتي ‬يمكن ‬للعارف ‬أن ‬يجزم ‬بأنها ‬ستكون ‬احترافية ‬على ‬أعلى ‬المستويات، ‬وهي ‬بالتأكيد ‬ستكشف ‬الكثير ‬من ‬التفاصيل ‬المهمة، ‬ولكن ‬التوقيت ‬كان ‬سيئاً ‬لأبعد ‬الحدود، ‬وكان ‬التحدي ‬عالياً، ‬فالحريق ‬كان ‬قبل ‬ساعاتٍ ‬قليلة ‬من ‬رأس ‬السنة، ‬والمكان ‬كان ‬أقرب ‬ما ‬يكون ‬لأكبر ‬تجمع ‬للاحتفال ‬في ‬منطقة ‬برج ‬خليفة، ‬وزاد ‬من ‬التحدّي ‬حالة ‬الهلع ‬التي ‬تصيب ‬مثل ‬هذه ‬التجمعات ‬البشرية ‬المكتظة، ‬ولكن ‬مواجهة ‬كل ‬هذه ‬التحديات ‬كان ‬امتحاناً ‬حقيقياً، ‬ومن ‬هنا ‬كانت ‬رسالة ‬دبي ‬للعالم ‬قوية ‬وواضحة ‬وصريحة، ‬وأنها ‬مدينة ‬ودولة ‬تعيش ‬في ‬المستقبل.

تمّ ‬احتواء ‬الحريق ‬بسرعة، ‬ونجحت ‬عمليات ‬إخلاء ‬النزلاء، ‬وضرب ‬طوق ‬على ‬المنطقة ‬المحيطة، ‬مع ‬إدارة ‬ناجحة ‬للحشود ‬وتجنّب ‬أي ‬حالات ‬هلع ‬قد ‬تتسبب ‬في ‬وفياتٍ ‬أو ‬إصاباتٍ، ‬وتم ‬البدء ‬في ‬عملية ‬تبريد ‬الفندق ‬وهو ‬ما ‬استمر ‬لليوم ‬التالي، ‬وبعد ‬كل ‬هذه ‬النجاحات ‬السريعة ‬والمتوالية ‬التي ‬لم ‬يكن ‬لها ‬أن ‬تكون ‬لولا ‬البنى ‬التحتية ‬والخطط ‬العملية ‬والجاهزية ‬الكاملة ‬لكافة ‬القطاعات ‬والتي ‬تم ‬بناؤها ‬في ‬سنواتٍ ‬طوالٍ ‬ورؤية ‬متماسكةٍ، ‬بعد ‬كل ‬هذا ‬جاء ‬القرار ‬باستمرار ‬الاحتفالات ‬ومنح ‬الناس ‬فرصتهم ‬كاملةً ‬في ‬الفرح ‬والبهجة ‬بعامٍ ‬جديدٍ ‬لم ‬تستطع ‬ألسنة ‬لهب ‬النيران ‬ولا ‬الدخان ‬المتصاعد ‬أن ‬تقلل ‬منه، ‬فضلاً ‬عن ‬أن ‬توقفه ‬أو ‬تمنعه.

سمعت ‬مرةً ‬مسؤولاً ‬يتحدث ‬عن ‬الكوارث ‬الطبيعية ‬أو ‬المفتعلة، ‬وأن ‬الجهد ‬منصب ‬على ‬منع ‬الحوادث ‬المفتعلة ‬قبل ‬وقوعها، ‬وقال ‬إن ‬الرهان ‬الأكبر ‬في ‬أي ‬كارثة ‬أو ‬حادثة ‬خطيرة ‬هو ‬في ‬سرعة ‬الاستجابة ‬وكمال ‬الاستعداد ‬المسبق ‬للتعامل ‬مع ‬أي ‬طارئ، ‬وهو ‬ما ‬حدث ‬بالتحديد ‬في ‬حادثة ‬حريق ‬الفندق ‬في ‬زمان ومكان حرجين، ‬ولكن ‬الإنجاز ‬كان ‬له ‬صدى ‬دولي ‬كبير ‬فاق ‬التحدي ‬وتجاوز ‬المحنة.

كانت ‬العرب ‬تقول ‬في ‬أمثالها «‬رب ‬ضارةٍ ‬نافعةٍ»، ‬وهو ‬ما ‬حدث ‬في ‬ليلة ‬رأس ‬السنة ‬في ‬دبي، ‬فبدلاً ‬من ‬أن ‬يكون ‬الحادث ‬ضاراً ‬بالناس ‬أو ‬بسمعة ‬دبي ‬والإمارات ‬الدولية، ‬إلا ‬أن ‬العكس ‬تماماً ‬هو ‬ما ‬جرى، ‬فاتضح ‬للعالم ‬أجمع ‬أن ‬دبي ‬مستعدة ‬وجاهزةٌ ‬لا ‬لمواجهة ‬التحديات ‬المعقدة ‬فحسب ‬بل ‬وفي ‬تجاوزها ‬لصناعة ‬السعادة ‬ونشر ‬البهجة ‬ورعاية ‬الفرح.

وليس ‬غريباً ‬أن ‬تتكفل ‬حكومة ‬دبي ‬بتوفير ‬سكن ‬لكل ‬نزلاء ‬الفندق ‬المحترق، ‬فهي ‬دبي ‬صاحبة ‬النموذج ‬الحضاري ‬الفريد ‬الذي ‬قدمه ‬محمد ‬بن ‬راشد ‬للعالم ‬بعد ‬نموذج ‬سنغافورة ‬وهونج ‬كونج.

أخيراً، ‬أرسل صاحب السمو ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ‬رسالتين ‬مهمتين ‬بعد ‬الحادث ‬قال ‬في ‬الأولى: «‬كلمتي ‬لرجال ‬الدفاع ‬المدني ‬والشرطة ‬والإسعاف ‬.. ‬رفعتم ‬الرؤوس ‬وأثبتم ‬كفاءتكم ‬أمام ‬العالم ‬.. ‬شكراً ‬لأبناء ‬الإمارات ‬المخلصين» ‬وقال ‬في ‬الثانية: «‬وتقديري ‬لضيوفنا ‬في ‬الإمارات ‬على ‬رقيكم ‬في ‬التعامل ‬مع ‬الأحداث ‬ليلة ‬البارحة.. ‬بكم ‬ومعكم ‬كانت ‬دبي ‬أمس ‬عنواناً ‬للمدينة ‬الحضارية»‬.
&