نجيب عبد الرحمن الزامل

&&نريد المفكرين الذين ينقلونا من عتبة أقل لعتبة أعلى، ثم نواصل بعدهم بأنفسنا بقوة إلهاماتهم.

&

كان محمود عباس العقاد مفكرا نموذجيا للأمة المصرية، ويعزز ذلك هالة الإعجاب التي تصاحب عبقريته الموسوعية التي أشعت بمعارفها على العالم العربي من غير أن يتلقى دراسة منتظمة تذكر. كان ميزانا شديد الدقة بين القديم والحديث، وفي التأصيل الديني وبطريقته البحثية العميقة وباستدلالاته اللامعة، ودعا إلى الانفتاح على الثقافات العالمية بعد التحصن بالثقافة العربية والمقبولات المصرية. ورعى بتصميم ثابت رؤيته للشكل السياسي والاجتماعي المناسبين لمصر وكان شجاع الضمير شفاف الرأي فصيح العزيمة. وكذلك زكي نجيب محمود كمفكر اشتق طريقا واضحا وجديدا في تثقيف بني أمته واتسم أسلوبه بالجمال الأدبي وصاغ الفلسفة الصعبة في أشكال أنيقة ومفهومة، وطالب بيقظة للعقل العربي دون أن يوحي بعلوية فكرية أو أن يرتدي وشاح المعلمين.

&

ويهمنا أن يكون عندنا مفكرون للأمة في الخليج. والمكان لم يملأ حتى الآن بمفكر كارزمائي كبير يؤثر إيجابيا في العقول الشابة لتنهض بأمتها. وربما نقبل القول إن هذه المجتمعات لم تكتمل دوائرها الثقافية وإن الجذور التاريخية القريبة تنقصها بحكم تطور هذه المجتمعات الذي بدأ متأخرا قياسا بمجتمعات عربية أخرى، وهي نمت بتسارع مع بدء انتشار التعليم العام إلا أن الواقع الآن يؤكد أن هذه المجتمعات هي الأكثر احتفاء بالفكر وبالمفكرين، ولا يجوز لأحد أن يقلل من هذا الواقع مع وجود الأدلة والشواهد. تحتفل الأوساط السعودية الرسمية والفكرية إلى الآن بمفكر باحث ومفكر موسوعي نادر هو الشيخ حمد الجاسر، يرحمه الله، وقد ملأ رحابنا الفكرية بثروات من إنتاجه الغزير. هذا الإصرار على تأطير دائم لأعماله في الأوساط السعودية أعطى الانطباع بأن الجاسر تجاوز بالنسبة لهم الحب إلى الرمز، وهذه من صفات مفكر الأمة، إلا أن استغراقه في بحوثه وعدم خوضه في اختلافات المشهد الاجتماعي العام وقفت دون أن يكون المفكر الذي نتحدث حوله، مع أن هذه الصفة ما تم توافقها مثل ما توافقت معه. والبحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري، مفكر من الطراز المطلع الثقيل وله رؤى ثقافية واستشرافية رائعة، إلا أنه يتسم بالعموميات، وهو مفكر كان يحلق دائما خارج سماه البحرينية والخليجية منذ كتاباته في المجلات اللبنانية قبل عقود إلى نمو الرغبة التأليفية لديه، وهو من عداد المفكرين الذين يملكون هذه الموهبة الخفية التي تعطي رؤيتهم وفلسفتهم بعدا مؤثرا في العقلية العامة، وهي هبة يمن الله بها على بعض عباده فتعطي هذا القبس من العبقرية التي لا تزوده الكتب ومدرجات المحاضرات.

&

معظم مفكرينا ما زالوا مشغولين بتجربة العالم العربي بحاضره كارتداد لما يقع وليس إسهاما في ما يجب أن يقع، ولم ينضج لدينا حتى الآن القالب الذي يخرج منه الفكر الذي يدفع العقل العام المحلي لتجليات أرقى، مع توافر باقة مفعمة من عقول ذكية وتحليلية وعارفة. ما زال ينقصنا في مجتمعاتنا الخليجية هذا الشيء الخاص.. خلطة مفكر الأمة.

&

نحن بحاجة إلى مفكرين يعلموننا كيف نربط الحداثة مع الماضي دون أن نسب تلك، أو نتعلق بأهداب الأخرى.. يعلموننا أن التاريخ لا يقف، ويعلموننا أن التاريخ أيضا لا يقطع. يعلموننا كيف نتفاعل مع قضايانا الكبرى وكيف نفيدها لا أن يتقاتلوا بأفكارهم حولنا، ويتراجموا بآرائهم فوق رؤوسنا، فتزوغ عقولنا في منزلق يهوي بنا رغما عنا. أن يعلمونا كيف نتفق في بلداننا أولا ثم على مستوى الوطن العربي، يعلموننا كيف اتفقت أوروبا الكاثوليكية البروتستانتية الأرثوذكسية المتعددة الإثنيات واللغات. يعلموننا كيف نرشق هذا النبت الصهيوني الغريب في جسد الأمة ولم ترفضه مناعتها الطبيعية بل ظل يكبر ويستشري.

&

ويعلموننا ألا نكون سادة بتراشق التهم ليصير فنا وتجارة أحيت صحفا وناسا وبرامج يقتاتون منها، بل أن نكون سادة في عيون الآخرين بما نقدمه من خير لنا وللعالم.

&

متى؟ من؟ هذا موضوع تأملي آخر.