قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&فهمي هويدي

&

القصة بسيطة ولكنها عميقة الدلالة.. بعد لأيٍ سمح لوفد يمثل المجلس القومي لحقوق الإنسان بزيارة سجن العقرب سيئ السمعة.. وحين ذهب الوفد سمح لأعضائه بالدخول باستثناء واحدة هي المحامية راجية عمران، وكانت الحجة أن اسمها لم يدرج ضمن قائمة الأعضاء الذين صرح لهم بالزيارة. أجريت اتصالات استغرقت عدة ساعات، حتى ظهر الثلاثاء ٥/١ لكنها فشلت في حل الإشكال وتمكين الأستاذة راجية من الانضمام إلى زملائها الذين سبقوها إلى الدخول. وكانت نصيحة رئيس المجلس وأمينه العام أنه لا بأس من استثنائها، لأن الأهم أن تتم الزيارة بمن دخل. بدا الموقف مهينا للمجلس لأنه يفترض أنه هو الذي يحدد من يمثله وليس الداخلية فضلا عن أن ما جرى يعني أن وزارة الداخلية تسمح لبعض أعضائه بالاطلاع على أوضاع السجن لأنها تطمئن إليهم، ولا تسمح للبعض الآخر لأنها لا تريد لهم أن يطلعوا على الحاصل في السجن.

بكلام آخر، فإن الداخلية ترحب بالذين هم على استعداد «للتجاوب» والتعاون معها، وتدرج غير المتعاونين في خانة غير المرحب بهم.

ما حدث مع الأستاذة راجية عمران ليس مفاجئا تماما، ولكنه تطبيق عملي لعرف سائد في تقاليد الأجهزة البيروقراطية والأمنية في مصر، بمقتضى ذلك العرف فإن المسؤول أيا كان مقامه ورتبته إذا أراد أن يظل مشمولا بالرضا ويستمر في موقعه فيتعين عليه أن يكون جزءا من المنظومة أو اللعبة. لا يشفع له أن يكون ملتزما بالقانون أو محتميا بنصوص الدستور، وإنما الأهم أن يكون «مرنا» و«متجاوبا» مع أهواء السلطة ومزاجها. إن شئت فقل إن الموظف المثالي ليس هو الكفء في عمله وصاحب الشخصية الملتزمة والمستقلة. لكنه ذلك الذي يجيد الميل مع الريح والذوبان في السلطة. أو عند الحد الأدنى هو ذلك الذي يحرص على إرضائها وينأى بنفسه عما يعكر مزاجها أو يتقاطع مع رغباتها.

مشكلة راجية عمران أنها أرادت أن تكون مستقلة ورفضت أن تصبح جزءا من اللعبة، ورغم أنها لا تنتمي إلى أي فصيل سياسي معارض وليس لها أية انتماءات غير مرضي عنها، (لولا أنها كذلك لما عينت في المجلس القومي) إلا أنها حين أرادت أن تؤدي دورها كعضو في مجلس حقوقي بشكل جاد وبغير مساومة أو «مرونة»، فإنها أدرجت ضمن قوائم غير «المتعاونين» وغير المرضي عنهم.

هذا الذي حدث مع المحامية راجية عمران يتكرر مع أي مسؤول يريد أن يحتفظ بذاته المستقلة ويؤدي عمله بشكل جاد رافضا الميل مع الهوى والاشتراك في اللعبة. وهو ما يفسر الحملة التي يتعرض لها المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات، الذي أخذ المسؤولية على محمل الجد واحتمى بالقانون في أدائه لواجبه ولم يجامل المراتب العليا والمؤسسات الحساسة. ولأنه اختار ألا يراعي المقامات ويشارك في اللعبة رفع عنه الرضا وانهالت عليه السهام من كل صوب.

أعرف كثيرين في مواقع عدة انحازوا إلى خيار الواجب وتنزهوا عن اللعب مع الأجهزة، ودفعوا ثمن استقلالهم. منهم من انسحب أو تنحى عن موقعه واتهم في ولائه لعزوفه عن اللعب (الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق مثلا) ومنهم من جمِّد في وظيفته وطلب منه أن يجلس جانبا في مقاعد «البدلاء» كما يقولون عن لاعبي كرة القدم. وهو ما تعرض له عدد غير قليل من الدبلوماسيين والسفراء في الخارجية (يقال إن عددهم أربعون شخصا)، وهناك آخرون لا أستطيع أن أشير إلى أسمائهم أو صفاتهم. وهؤلاء جميعا ليسوا معارضين، بل كانوا موالين، لكنهم رفضوا أن يكونوا شركاء في اللعبة الجارية.

وجدت تأصيلا لتلك الفكرة في كتاب المستشار طارق البشري «مصر بين العصيان والتفكك». إذ أفرد فيه فصلا تحت عنوان «علم الاستبداد والطغيان»، ذكر فيه أن تطويع وإخضاع الموظفين العاملين بالدولة بدأ منذ بداية تسعينيات القرن الماضي (أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك)، حيث تتابعت القوانين التي ألغت ذاتية المسؤول أو الموظف العام بحيل شتى، وجعلت مصيره معلقا على رضا السلطة بحيث «صار وجوده في عمله ومكانته الاجتماعية ودخله الذي يعيش منه ويعول من يعول.. ذلك كله أصبح في يد رجل واحد يجلس على القمة».. بحيث أصبح أشبه بمن توجه فوهة البندقية إلى رأسه على الدوام. حزمة القوانين تلك أضعفت المسؤول أو الموظف العام بحيث صار همه ليس أن يتفوق في مجاله الوظيفي أو المهني، وإنما الأهم أن يسترضى السلطة طول الوقت لكي يؤمن مستقبله. وهي فلسفة لم يعد المسؤول في ظلها خادما للمجتمع (Civil Servant) كما يصنف في الدولة الحديثة، ولكنه أصبح خادما للسلطة بأجهزتها البيروقراطية والأمنية.. ومن قَبِل ذلك الشرط الضمني بقي وترقى ومن تمرد عليه وأراد أن يحتفظ باستقلاله وذاتيته فعليه أن يدفع ثمن اختياره.

وإقصاؤه وإبقاؤه في الظل أخف تلك الأثمان، ولا ينبئك مثل خبير.