قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فهد عامر الأحمدي

كتبت قبل أيام مقالاً بعنوان "الدول الأيدلوجية" تعرضت فيه للتجربة الفاشلة للصين وفيتنام والاتحاد السوفييتي القديم.. أشرت فيه إلى انطباق هذا التعريف على إيران وسورية وإسرائيل والنظام البعثي في العراق، والناصري في مصر، والأخضر في ليبيا..

&

كل هذه الأمثلة جعلت البعض ينتقدني على تجاوز (السعودية) باعتبارها دولة قامت على أساس ديني أو وهابي حسب قول البعض..

&

ولكنني في الحقيقة لم أتجاوز السعودية، بل لم أرَ فيها بكل بساطة مواصفات الدولة الأيدلوجية..

&

فمن أبرز مواصفات الدولة الأيدلوجية تقديس المؤسس، والقيام على فكره، وتبني مبادئ ثورية، واضطهاد المعارضين لتلك المبادئ، ومحاولة تحقيقها أو تصديرها على حساب التنمية ورفاهية المواطن... وفي النهاية الدول الأيدلوجية لا تعمر طويلاً..

&

وحين تتأمل تاريخ السعودية لا تجد تقديساً لملك أو تأليهاً لمؤسس أو حتى قبوراً وتماثيل (كالتي صنعت للينين وهتلر وستالين وموسيليني وصدام حسين).. لم يُنسب للملك عبدالعزيز أو الملوك الذين أتوا من بعده صفات احتكارية أو خارقة للعادة (مثل ماوتسي تونج الذي اخترع كل شيء مهم في الصين، أو لينين الذي أقامت له موسكو معهداً لدراسة مكامن العبقرية في دماغه، أو جونغ أون الذي تدعي الصحافة الكورية أن المطر ينزل كلما زار قرية جديدة)..

&

لا يمكن لأي محلل سياسي عاقل الادعاء أن السعودية دولة ماركسية أو اشتراكية أو قومية أو حتى ثورية (على نمط كوبا وكوريا الشمالية).. لا يدعي امتلاكها أجندة سياسية أو ثورية تحاول تصديرها للدول المجاورة كما تفعل إيران في منطقتنا العربية.. لم تضطهد شعبها يوماً على حساب تفوقها الدولي، ولم تحرمه سبل العيش الكريم لمجرد مزاحمة الآخرين (كالاتحاد السوفييتي القديم الذي غزا الفضاء وفجر الذرة على حساب المواطن الروسي الذي حرم من كل شيء)..

&

الدول الأيدلوجية تدمر المواطن وتلغي الإنسان وتعتبر التضحية بالشعب أمراً هيناً مقابل تحقيق مشروعها الأعظم.. هتلر لم يرَ بأسا في القضاء على الشعوب التي اعتبرها أدنى من الشعب الألماني (سليل العرق الآري).. وماوتسي تونج تسبب بمجاعات قتلت ملايين الفلاحين الصينيين لتحقيق ما أسماه "القفزة العظيمة للأمام".. أما ستالين فقتل 25 مليون روسي لتثبيت دعائم المنهج الماركسي ومقارعة الغرب عسكرياً وفضائياً في حين لم يتردد بول بوت في القضاء على ثلث الشعب الكمبودي من أجل إعادة تثقيف من تبقى منهم... وكل هذا لم يحدث في السعودية منذ تأسيسها..

&

.. الدول الأيدلوجية تحاول تحقيق أيدلوجيتها وتصديرها للخارج على حساب رخاء المواطن داخلها (بدليل الدخل الفردي المتواضع في كوبا وكوريا الشمالية وإيران التي نزل فيها 15 مليون مواطن تحت خط الفقر منذ ظهور حكم الملالي في طهران). وفي المقابل هناك دول واقعية سعت بهدوء وصمت لتحقيق قفزات تنموية دون ضجيج أو صراعات أو خطب ثورية (كسنغافورة والدنمرك وفنلندا وكندا).. وحين تتأمل الفرق بين التصنيفين تكتشف أن السعودية أقرب (للمجموعة الثانية) رغم كل العقبات الاقتصادية والثقافية التي تواجهها.. تكتشف أنها حققت بصمت قفزات هائلة مقارنة بأنظمة عربية مؤدلجة (اختفت باختفاء مؤسسها) نعتتها ذات يوم بالتخلف والرجعية..

&

نعم ؛ قد تكون السعودية من الدول القليلة التي قامت على أساس ديني (بجانب باكستان وإسرائيل والفاتيكان) ولكن هذا لم يحولها إلى دولة مارقة أو معزولة أو يمنعها من الانفتاح الفكري والاقتصادي وإقامة علاقات حسنة مع كافة الشعوب والثقافات..

&

قد يكون الشعب ذاته متدينا (وبعضه متشدداً) ولكنها حالة اجتماعية (وليست سياسية) تظل قائمة بين الناس بصرف النظر عن نهج الدولة وتعاقب الحكومات..

&

.. وحتى حين نصف شعبها بالمتدين لا يعني ذلك تبنيهم لأفكار مؤدلجة أو متطرفة.. فالسعوديون أنفسهم يرفضون تحول "الأيدلوجيا" إلى جرم وحوادث إرهابية.. يُدركون أن الفهم الصحيح للدين يمنع الفرد والدولة من اضطهاد الآخرين على أساس ديني(لكم دينكم ولي دين) أو أساس فكري(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) أو حتى محاولة السيطرة بأي شكل من الأشكال (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)..

&

.. من أجل هذا كله لم أضرب مثلاً بالسعودية في مقالي السابق..