بول شاوول

لو كان لي أن أختار «شخصية العام 2015« لما ترددت في تسمية «صحوة العرب» أو «عودة العرب» إلى رد التحديات التي تواجههم راهناً، وهي مصيرية، كيانية، تاريخية، وجغرافية وسياسية وثقافية. فمنذ «عاصفة الحزم» (وقبلها دعمها السعودية للبحرين) تراءى لنا، أن العرب، وفي المقدمة دول الخليج واستطراداً مصر، وتونس ودول «التحالف» (39 دولة) لم تجد بداً من التصدي لهذه الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من لبنان، إلى اليمن، إلى البحرين، إلى سوريا، والعراق.. وصولاً إلى الكويت والسعودية. كأنها استباحة شاملة، لا مثيل لها، تنظمها اسرائيل وإيران وتباركها روسيا وأميركا. الغاء العرب، دوراً ووجوداً وأرضاً، كأنما نتذكر شعار اسرائيل في فلسطين «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وإذا كانت الصهيونية قد عجزت لأسباب كثيرة، عن تنفيذ مخططاتها التوسعية (اسرائيل الكبرى) وتقسيم العالم العربي كانتونات ودويلات مذهبية متصارعة، لطمس كل الجذور والأزمات التي تربط هذا الشعب، فها هي إيران (النيو صهيونية) تبدأ من حيث انتهت الدولة العبرية بكل الدروس التي تعلمتها منها، والأساليب والحروب والفتن والشرذمة. وكما كانت أرض العرب «سائبة» بالنسبة إلى الصهيونية وملعونة، فها هي إيران ترث هذه النظرة الدونية المليئة بالعنصرية والكراهية والانتقام والعنف. وكما لعبت الدولة الصهيونية على تناقضات المجتمعات العربية والأقليات (اللعبة ذاتها استخدمها الاستعمار العثماني والغربي) فها هي إيران، تحاول عبر قشرة مذهبية، تمزيق هذه الوشائج. لا روابط بين العرب والمسلمين، والأقليات والإثنيات، فلنجعلها حرباً بينهم.&

ولأن أقرب المسالك تعيين المذهبية وسيلة لاختراق الشعوب وزرع الفتن بين هذه الشرائح (العربية أصلاً) وبين كل ما حولها: انها تُصدّر ثورة الخمينية التي تحولت من «ثورة عالمية إسلامية»، إلى مجرد فتن وحركات خوارجية وشعوبية لاقحام نفوذها، وفتح الطرق للانفصالات الكبرى بين شعب وشعب، بين قبيلة وقبيلة، بين دسكرة ودسكرة، غير عابئة لا بالحدود ولا بالقوانين ولا بسيادة الدول ولا بتاريخها: الانسان الجديد بالنسبة إلى إيران، هو الذي يقف على انقاض كل الانجازات العربية. هو «الشيعي» حيث هناك شيعة و»القاعدي» حيث هناك قاعدة، والبعثي حيث البعث ذو مواصفات مذهبية: فلنبدأ مع العرب من «الصفر إلى الصفر» وعلى هذا الأساس يجب تحويل كل صراع في المنطقة صراعاً تفتيتياً من الظواهر الفكرية والقومية والديموقراطية والثقافية وصولاً إلى التقاليد وتحقيقات الحداثة والتنوير. لا شيء من كل ذلك.&

[لا عرب&

فلا نهضة ولا تاريخ ولا إسلام ولا مسيحية ولا أكراد ولا كلدان ولا شيوعيون ولا ماركسيون ولا قوميون عرب ولا معرفة ولا مستقبل: محو التاريخ حتى بحاضره. فما بالك بماضيه وصيرورته. فالعرب، بالنسبة إلى العنصرية الفارسية هم شعوب مختلفة وبربرية (أَكلة جراد، حفاة، أميون.... جائعون) وليس لهم أي علاقة لا بالحضارة ولا بالتقدم ولا بالعلم. (سبق أن شبه أحد القياديين الاسرائيليين العرب بالحشرات التي يجب سحقها). لكن هذه النظرة السوداء للعرب لا تختلف عن نظرتهم إلى «الإسلام» نفسه، أي إلى السُنّة، أي إلى العربية، منذ الأمويين حتى صدام حسين، مروراً بالسعودية، والخليج وسوريا وتونس والجزائر وليبيا... ولبنان.&

فهذه الأكثريات يجب تمزيقها وتهجيرها والحاقها بما تستحق من تنكيل، واحتقار وإبادة. فالعِرق الفارسي لا يختلف كثيراً عن العِرق الآري: وإذا «كان الله جعل من اليهود شعبه المختار» فالله أيضاً والآلهة الفارسية جعلت من العِرق الفارسي عِرقاً متفوقاً على المسلمين والعرب: ها هي حصيلة «الثورة» المُصدّرة: تحييد اسرائيل عن المواجهة، الاستفادة من أميركا (واليوم من روسيا) وتعيين العرب عدواً «أبدياً» لهم. لكن تحييد اسرائيل يعني عمقاً اقامة حلف سري معها، لكي ينفذا معاً ما من شأنه تقسيم هذه الأمة، واختراقها من خطين «هِلال شيعي صهيوني» و»اسرائيل كبرى» مذهبية يلتقيان ربما في «الحل الأخير» (وهذا ما استخدمه هتلر في حربه ضد العالم فاسرائيل: ايران واذا عدنا إلى الغزو الأميركي للعراق بقيادة بوش الابن، تتوضح لنا بعض ملامح تلك الصورة: اجتياح العراق واسقاط أول نظام عربي سني منذ ألف عام. ومن الطبيعي، في مثل هذه الهواجس أن يُؤخذ العراق ويسلم كله لدولة الملالي ليعتبره بعض الفرس «ولاية إيرانية» وُهبت الدولة العربية بشعبها وأرضها للمشروع الإيراني. لكن أين العرب؟ لا شيء! غرقوا في النشاطات والمداولات الديبلوماسية والاعلامية والصراعات وإيران تمعن اثناء ذلك في فرسنة البلد العربي (كما فرسنت الأهواز) وتهجير السكان واعتماد سياسية «الترانسفير» والاغتيالات والمجازر.&

[التوسع

&لا عرب! عال! إيران مطمئنة انها يمكن أن تكمل خطها في استباحة دول عربية أخرى ما دام العرب غافلين أو عاجزين أو مكبلين أو غير جاهزين. فلنتوسع إذاً إلى اليمن: فالشرائح التاريخية والمذهبية هناك قابلة لمثل هذه الحروب الداخلية. فلننتهكها ونصادرها ونجعلها ولاية من ولاياتنا. وهكذا كان للحوثيين أن يلعبوا لعبة الغلبة والحروب بعدما حوّلوا الثورة اليمنية التي خلعت علي صالح، صراعاً مذهبياً. لا ثورة ولا من يثورون. لا ديموقراطية ولا ديموقراطيون. هذه الثورة العربية ملعونة، فلْنمْسَخْها ونمحُ آثارها. فلنُعطِ الشعب اليمني ما يستحقه: العنف والتدمير والتقسيم والعمالة... خصوصاً وأن اليمن على حدود السعودية. فاليمن ليس أفضل من سوريا ولا من العراق. فها هي سوريا... اليوم، كما يشتهيها نظام الملالي، والحرس الثوري و»المرشد» الأعلى، لم يبقَ منها شيء: لا ثورة ، انطلقت من درعا ولا ديموقراطية شعبية ولا نظام عروبي ولا انتخابات ولا حتى شعب! تبدأ سوريا بحسب إيران بممارسة «السلم» عندما يُهجّر شعبها ويستبدل بشعب آخر. والشعب الآخر متمثل بالأقلية «العلوية» الشيعية، التي ستسود فوق انقاض الـ20 مليون عربي وسني ! فليذهبوا إلى الجحيم! وليغرقوا في البحار. وليتشتتوا في جهات الأرض... انها أفدح عملية منذ الحرب العالمية الثانية ومنذ قيام الكيان الصهيوني. فما تفعله إيران في سوريا وقبلها في العراق( يعادل ما ارتكبته اسرائيل باسم حقها الإلهي التوراتي في فلسطين. ومن ينظر إلى الخريطة العربية لا سيما السورية، يكتشف بلا عناء، أن ايران (ووراءَها اسرائيل) تعود إلى نظرية «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض». لا شعب في سوريا، ولا ناس ولا سكان ولا وجود: الخلاء المطلق يستتبع الغزو المطلق والاستباحة المطلقة: سوريا لم تعد لا سورية ولا عربية ولا حتى ضمن خريطة أو هوية او هويات، أو مسمى أو مسميات: كلُّ يغزوها بما تيسر له من طموحات ومطامع والوافدون بلا حدود: من إيران إلى تركيا إلى روسيا، فأميركا فإلى داعش والنصرة... كل العالم بات له موطئ قدم وساحة قتال ما عدا العرب، أقصد ما عدا العرب المسلمين الأكثريين.

&[أين هم؟

&لكن أين هم العرب؟ أين هم الأكثرية؟ سبق ان تفككت سوريا بوجود نظام آل الأسد، حافظ وآله واقربائه وابنائه بهويتهم المذهبية التي تخلت حتى عن سوريتها وعروبتها: هوية ملتبسة مفتوحة لكل من يريد أن يشارك بتدمير هذا البلد العربي. كأنه الفراغ الشامل. كأنه الخواء تكرسه الأسلحة والانتهاكات الاسرائيلية والروسية والتركية والأميركية. والغريب، انه وبعد التدخل البوتيني وخطف الدور الإيراني بقيت هذه الأخيرة تتصرف وكأنها «المنتصرة» بل كل المشاركين في تدمير سوريا يتصرفون وكأنهم «المنتصرون» لكن في الواقع كلهم عجز عن الحسم. ما زال داعش (وهو مخلوق النظام وايران) موجوداً لا لمحاربة الأسد، بل لتحسين ظروف بقائه: والنصرة موجودة والمقاومة السورية المعتدلة موجودة. والحرب موجودة. كأنه مستنقع اعمق من كل هاوية يتخبط فيه كل هؤلاء: فيتنام جديدة، أو افغانستان، تتكرران على الجميع. بل كأن كل هذه الإمبراطوريات «المسترجعة« من القيصرية الستالينية، إلى «البغدادية» المضحكة ، فإلى الصهيونية المتجددة.. كلها، بلا جدوى. لا شيء! بحيث أصبحت الحروب مجرد مجازات للتخريب، لا للحسم، ولا للجزم ولا لفرض حلول. المفاوضات السياسية تراوح مكانها وكل فريق ما زال يحمل أجندته. إذا كان الأمر كذلك، فيعني أن كل «انتصار» على الأرض بات من دون محصلة سياسية. بل أكثر! حزب الله فشل فشلاً ذريعاً في حربه على سوريا وبات أقل من لاعب ثانوي. الحرس الثوري مقطوعة أخباره، التحالف الدولي يقوم بضربات مجهولة الأثر. المواقع شبه ثابتة على الأرض. يبقى بوتين الذي يلعب بالدم، يصول ويجول : حركة بلا بركة. يجلجل إعلامياً واعتداءاته المكثفة لا تأتي بمردود. الخاسرون كثر حتى الرابحون. أين هيبة إيران وحزبها العميل؟ انهما في الحضيض. ذلك أن بين المقاومين لهؤلاء الغزاة من قرروا المضي في المواجهة. أقلية؟ نعم! لكنها موجودة بحدودها وما زالت تشكل هاجساً لهؤلاء الذين اجتمعوا عليها كلهم، من داعش والروس ونظام الأسد وإيران، لدحرهم وتصفية الصراع بين النظام الإرهابي وداعش الإرهابي على حساب الجيش الحر. لكن عبثاً!

&[اليمن

&اما في اليمن، فقد أصابت «عاصفة الحزم» العربية الاسلامية صميم الهدف الإيراني المتمثل بالحوثيين. ظنوا ان الاستيلاء على هذا البلد العريق، لن يكون أكثر من نزهة، مسألة ساعات لا أكثر. لكن التحالف العربي الاسلامي بقيادة السعودية انقض على «غزوهم» وانقلابهم، وها هو يسيطر على الأجواء اليمنية، ويخوض حروباً ميدانية يسجل فيها انتصارات مشرفة. بعد الحلم السوري سقط الحلم اليمني للغزاة. صحيح انه لم يتم حسم نهائي لا هنا ولا هناك لكن الصحيح أيضاً والمهم ان العرب دخلوا المعارك بوجوه سافرة، لرد العدوان الاسرائيلي الفارسي الروسي. بات العرب جزءاً أساسياً من المعادلة، بعدما كادوا يتحولون متفرجين، أو منتظرين، أو في «الصفوف الخلفية». ونظن أن هذا الحضور العربي فاجأ ايران وحلفاءها من بني اسرائيل وارهابيي العالم. وقف العرب وقفة جديدة يدافعون عن وجودهم ويسترجعون دورهم التاريخي ويتصدون لكل الذين اجتمعوا عليهم. فالكسالى والغائبون والبلداء (بحسب السيد حسن نصرالله) نفضوا الغبار عن أسلحتهم وقراراتهم وها هم يعينون للمرة الأولى ان إيران الفارسية لا تختلف عن اسرائيل الصهيونية. كأنه رد على الرد. فالفرس بعدما خربوا ما خربوا في لبنان والبحرين وسوريا والعراق واليمن ها هم يحيدون اسرائيل «كعدو» ويستبدلونها بالعرب وتحديداً بالسعودية: يريدون ضرب آخر المواقع العربية الاسلامية في الشرق تحت شعارات متناقضة: محاربة الارهاب تعني محاربة السعودية والعرب ومحاربة التكفيريين تعني محاربة السعودية. ومحاربة اسرائيل تعني محاربة السعودية. استغلال الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية يعني التفرغ لتخريب السعودية. بمعنى آخر يستمر بنو فارس في لعبة بوش الابن واسرائيل، أي ضرب الأكثرية الاسلامية العربية السنية، لمصلحة الأقلية العبرية والأقليات المرتهنة بإيران.

&[الحضور&

ان الصحوة العربية، وإن متأخرة، تفصل بين زمنين: زمن الاتكال على «الحلفاء» الغربيين، الذي عاد بالفشل على كل القضايا العربية وزمن استنباط المواقف الحرة لمواجهة الأخطار. فالغرب والشرق تآمرا على عبد الناصر في حرب 1967 وتآمرا على لبنان عام 1975 وتآمرا على العراق إبان الغزو الأميركي للعراق، وانحازا إلى اسرائيل في كل المواقف، والاعتداءات وأشكال الغزو في فلسطين وتآمرا على الربيع السوري عندما انحاز أوباما إلى نظام الأسد وها هم جميعاً اليوم ينسقون «ضرباتهم» على سوريا، من بوتين إلى اسرائيل، إلى أوباما، إلى أوروبا. لن أقول ان الشعور العربي بالعزلة، هو الذي قاده إلى الدفاع الذاتي، بل ان الشعور العربي بخيانة هؤلاء هو الذي جعله يختار «نزع الأشواك بيديه» ذلك، ان حسابات «الدول» الصغرى والكبرى لا تبنى إلا على الوقائع المادية العينية، أي الميدانية، بقواعد الصمود والمواجهة واجتراح مكاسب وتضحيات في الحروب وفي اشكال الدفاع عن الذات. هذا ما علمتنا اياه التجارب: «كن قوياً يكن العالم معك». و«كن ضعيفاً ، اتكالياً، يفرنقع عنك». وقد لعبت ايران لعبة القوة والارهاب والتوسع والعدوان كما فعلت اسرائيل في فلسطين ولبنان وفي حرب 1967 و1982... لعبة فرض النفوذ بالقوة وان ظالمة ، أو بربرية، أو مجنونة، لعبتها ايران عبر اعتمادها ارهاب «الدولة» الكبرى، ولعبتها اسرائيل... وها هو بوتين يلعبها في جيورجيا والشيشان وأوكرانيا... وصولاً إلى سوريا. وعندما نقول «فرض النفوذ بالقوة» لا نعني ان يضع العرب والمسلمون مخططاً للعدوان على الآخرين، وانما للدفاع عن أرضهم وحقوقهم ووجودهم: ومن لا يعرف أن هناك اراضي عربية ما زالت تحتلها اسرائيل؟ وكذلك ايران: من منطقة الأهواز العربية المحتلة إلى الجزر العربية الثلاث: طمب الصغرى وطمب الكبرى وجزيرة أو موسى.

&ومن لا يعرف ان ايران تحتل أجزاء من العراق وسوريا... ولبنان: وهنا بالذات تتخذ الصحوة العربية شكل الانتفاضة على المحتلين وأصحاب المشاريع التوسعية ومنتهكي الحدود والجغرافيات المحددة، ومغيري الديموغرافيات السكانية بقواعد المذهبية؟&

ونظن أن هذه الصحوة العربية بقيادة التحالف الاسلامي العربي والسعودية جذبت إليها انظار العالم كله وباتت تحسب لها الحسابات. لكن الأعمال العسكرية ضرورية وغير كافية. بمعنى آخر، أن الجماهير العربية التي وجدت في هذه الصحوة ما ينعش آمالها هي شريك أساسي في كل خطوة وراصد اساسي لكل خطة، وداعم معنوي ومادي أيضاً. فتكاليف الحروب يدفع ثمنها الناس الذين يباركون هذه المواجهة مع أعداء الأمة وكذلك الجنود والجيوش...

&أترى تستكمل هذه الصحوة القيادية بأخرى اجتماعية وسياسية وثقافية، يخرج منها العرب بكثير من الانجازات التي تؤاخي انتصاراتهم الميدانية؟