قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&محمد قيراط

&

تثير قضية الموضوعية في الصناعة الإعلامية جدالا ونقاشا كبيرين في الأوساط الإعلامية والأكاديمية في مختلف ربوع المعمورة. كما يتغنى بها الكثيرون خاصة في الدول الديمقراطية التي لديها أعراف، والموضوعية المطلقة في الصناعة الإعلامية ضرب من الخيال وأمر بعيد المنال.

فالمفهوم يبقى نسبي ومتفاوت من بلد لآخر ومن ثقافة لأخرى، فمنهم من يرى أنه لا يقصد بها الموضوعية الكاملة وإنما على الأقل هي عملية وموقف وطريقة تفكير، فالموضوعية هي غاية يطمح أن يحققها أي صحفي في العالم، لكن إدراكها في الواقع ليس سهلا على الإطلاق، فحسب هربرت ألتشول ميثاق الموضوعية في النظام الرأسمالي ما هو إلا وسيلة للمحافظة على النظام العام والترويج للأيديولوجية الأرثوذوكسية الرأسمالية.

إن مجرد تقديم وجهتي نظر الطرفين في القصة الخبرية لا يعني بالضرورة الموضوعية، حيث إذا تم تقديم الطرفين دون سياق وبدون إطار وإذا كان طرف على عكس الطرف الآخر غير قادر على تقديم وجهة نظره بطريقة مقنعة وقوية ومنطقية فهذا يخل بالموضوعية والمبادئ التي تقوم عليها. بالنسبة لـ"غاي توكمان" الموضوعية هي طقوس إستراتيجية "strategicritual" من طقوس الممارسة الإعلامية يستعملها الصحفي للدفاع عن نفسه من الاتهامات التي قد تُوجه له في تحريف وتشويه الواقع. توكمان ترى أن المؤسسة الإعلامية هي مؤسسة اجتماعية ومثلها مثل المؤسسات الأخرى في المجتمع لها هيكلها البيروقراطي ونظامها القيمي. الممارسة الإعلامية مثلها مثل الممارسات الأخرى في المجتمع تقوم على مجموعة اتفاقيات conventions تحدد ما يجب أن يُنشر وما يجب أن يُرمى في سلة المهملات ويُلغى ويتم إقصاؤه من ساحة العلنية. وبهذا يصبح مفهوم الخبر مفهوما ذاتيا حيث قد يكون حدث ما خبر لجريدة أو لجهة معينة وقد لا يعني شيء لجهات أخرى. فالخبر هو ما يشمه ويحدده الصحفي فلا يوجد هناك تعريف محدد شامل ومانع للخبر يصلح لكل الدول والثقافات والحضارات وحتى لقوى مختلفة ومتنوعة داخل الإطار السياسي والاقتصادي الواحد. وعلى حد قول الصحفي الأمريكي الشهير "ديفيد برنكلي" "الأخبار هي التي أقول عنها أنها أخبار".

فميثاق الموضوعية ما هو إلا خدعة كبيرة للرأي العام ولجماهير القراء ومستهلكي وسائل الإعلام لإقناعهم بأن هذه الأخيرة تقوم على الحرفية والمهنية وعدم الانحياز والالتزام بالحقيقة وتقديم وجهات نظر الطرفين أو الأطراف الضالعة في الخبر. فيرى ألتشول مثلا، أن في قضية واترغيت ورغم الضجيج الإعلامي الكبير والانتقادات الكبيرة التي وُجهت للرئيس نيكسون، رغم كل ذلك فشلت المؤسسة الإعلامية الأمريكية في الكشف عن عيوب وسلبيات مؤسسة الرئاسة الأمريكية، وفي الأخير اُنتقد الرئيس ولم تُنتقد الرئاسة وفي النهاية أُجبر نيكسون على الاستقالة، وراح ضحية النظام أو ما يسمى عند الأمريكيين بـ"الإستبليشمنت" Establishment.

من جهة أخرى، نلاحظ أن ميثاق الموضوعية يكون صالحا في حدود الدولة فقط، لكن عندما ينتقل الموضوع إلى نزاع بين دولة الصحفي أو المؤسسة الإعلامية ودولة أخرى، فتصبح الموضوعية أسطورة وخرافة. وهنا تصبح المؤسسة الإعلامية والصحفي غير ملزمين بتقديم وجهتي نظر الدولتين محل النزاع. فالصحفي ينحاز بطريقة أوتوماتيكية لبلده وإذا قدم أطروحة البلد الخصم يصبح خائنا وغير وطني وغير ملتزم بخدمة وطنه. وهذا ما أكدته الأحداث التاريخية كتعامل الإعلام الفرنسي مع حرب التحرير الجزائرية، أو تغطية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، أو الصراع بين أمريكا وكوبا، أو حرب الخليج الثانية والثالثة..إلخ.

يفرض منطق التعددية الديمقراطية على وسائل الإعلام إعطاء نفس الفرص ونفس المساحة لمختلف القوى السياسية والاقتصادية في المجتمع، لكن وسائل الإعلام، ومع الأسف الشديد، تعمل وفق ضغوط وقيود خفية تقصي كل ما من شأنه أن يحاول التغيير في المجتمع أو يهدد النظام الاجتماعي والنظام السياسي والاقتصادي. وكنتيجة لهذه الآليات الخفية والميكانيزمات المحددة سلفا، فإن وسائل الإعلام تقوم بالدور الاستراتيجي في عملية التحكم الاجتماعي حيث إنها تعمل كعميل للنظام القائم. وبهذا المفهوم، فإن ميثاق الموضوعية نفسه ما هو إلا ميكانيزم للتحكم الاجتماعي.

لا يتلقى الجمهور صورة كاملة في غالب الأحيان عن المشهد السياسي، بل يحصل بدلا عن ذلك على سلسلة مختارة للغاية من الومضات أو اللمحات وتكون النتيجة في النهاية تشويه الواقع. وحسب والتر ليبمان هناك تضارب بين الديمقراطية والممارسة الإعلامية اليومية حيث إن وسائل الإعلام لا تقدر على تأدية وظيفة التنوير العام. لا تستطيع وسائط الإعلام تقديم الحقيقة بموضوعية لأن الحقيقة شخصية وتستوجب الكثير من الدقة والتمحيص والتفسير والتأكد والتدقيق، الأمر الذي لا تسمح به صناعة الأخبار التي تتطلب السرعة الكبيرة والمواعيد الدقيقة التي لا ترحم. فحسب والتر ليبمان، يتلقى الجمهور واقعا مفبركا تقدمه له وسائل الإعلام بالتناغم والتناسق مع مصالح القوى السياسية والاقتصادية في المجتمع. نستنتج مما تقدم أن وسائل الإعلام تعيق الديمقراطية أكثر مما تخدمها لأن الديمقراطية تقوم على السوق الحرة للأفكار وعلى الرأي والرأي الآخر، الأمر الذي فشلت وتفشل وسائل الإعلام في تحقيقه في أرض الواقع.