مأمون فندي

لم تعد صور السيلفي مع الأفراد بل أصبح الناس يأخذون سيلفي مع الأحداث الكبرى، أي بالمعنى المجازي يضعون أنفسهم وسط الأحداث الكبرى وكأنهم من يحركون الأحداث ويحركون التاريخ، ولكني هنا سآخذ لنفسي أكثر من سيلفي مع ثورة يناير وما بعدها، ليس بنرجسية محركي الأحداث بل من أجل قراءة تفاصيل الصورة بمفردي عندما أخرج من عقلية الزحام.


الصورة الأولى بدا فيها تزاحم الناس وكأن السد العالي قد انهار وانهمرت منه شلالات البشر تتدافع إلى مجرى النهر ولكن في هذه الصورة بدلاً من أن يجري الماء إلى منتهاه عند البحر المتوسط بالمعنى الرمزي ارتفع الماء إلى أعلى وتوقف النهر لمدة ثمانية عشر يومًا، معلقًا في حالة من الشفافية وإعادة تعريف الذات، وما لبث بعدها النهر أن عاد إلى مصبه القديم. أخذت هذه الصورة وكتبت تحتها عنوانًا أو تعليقًا يشبه التغريدة قلت فيه:
»ثورة يناير 2011 كانت مجرد فاصل، في تاريخ لا يريد أهله أن يغيروه أو يغيروا أنفسهم، أكثر من 18 يومًا كل ستين سنة».


الصورة الثانية بدت فيها مصر واقفة في مفترق طرق حائرة في الاختيار بين أي طريق تسلك، في منتصف النهر مترددة ومتعبة تريد أن تعبر النهر ولكنها في ذات الوقت تفضل العودة إلى الشاطئ الآخر من التعب رغم أن المسافة بين العبور والعودة للقديم تكاد أن تكون متساوية.


توقفت عند هذه الصورة وقرأتها بعناية ولم أضع تحتها أي عنوان كسابقتها رغم أنه كانت تراودني مجموعة من المقولات الشعبية مثل «من فات قديمه تاه»، أو «اللي تعرفه أحسن من اللي متعرفهوش»، أو أن الناس يثورون ويتعبون ثم يعودون إلى القديم أو أحسن قليلا أو أقل قليلا،، ولكن ملخصها كان التعب fatigue، ورغم ذلك لم أكتبها.


الصورة الثالثة كانت للناس ولحظة الخروج إلى الشوارع ولكنها صورة مطبوعة على طريقة الهولوغرام «أو عيني مالها، كما نسميها ونحن صغار» عندما كنا نشتري صورة لفتاة كلما حركتها بزاوية معينة كانت مرة تفتح عينها ومرة تغمضها، سيلفي مركب.


بدا الخروج غير منظم وأكاد أرى صور سقف قديم يتهاوى على رؤوسهم وهم يحتمون بالعراء وبدت وكأنها لم تكن ثورة بل انهيار عمارة قديمة بنتها ثورة سبقتها بستين عاما تقريبا ولم يتبق من البيت الذي انهار سوى حنفية مياه ولمبة نور واحدة كان الجميع يستخدمونها مؤقتا ثم أقاموا خيام إيواء في العراء ومارسوا في العلن ما كانوا يمارسونه خلف الجدران في البيت القديم وكأنهم ينظرون في المرآة لأول مرة ليروا ما كانوا عليه فكانت صورتهم أشبه بسيلفي مع الرزيلة فقاموا بثورة أخرى من أجل إعادة بناء الجدران ولكنهم ما زالوا في الخيام يستخدمون ذات الحنفية الواحدة واللمبة الواحدة وذات الخيام، ولكن من يظهرون في المشهد في هذه اللحظة أناس غير الذين ظهروا في الصورة الأولى. وأغمضت الفتاة عينها.


الصورة الرابعة بدا فيها جنود الجيش المصري القديم قدم النهر على دباباتهم التي كتب عليها عبارات التغيير وبدا المشهد معبرًا عن ترقب، ووقف أحد القادة على شاشة كبيرة معظما للثورة ولشبابها وبدا القائد وهو بملامحه السمراء وبزته العسكرية مارًا بين الناس على ضفاف النهر وبين الدبابات أمام مبنى التلفزيون واختلف الناس حول من حمى من؟ هل الجيش حمى الثورة؟ أم أن الشعب حمى الجيش، أم أن الجيش والشعب معا حميا الثورة؟
صورة خامسة في نهاية اليوم تدفق فيها الناس بأعلامهم وسياراتهم وأطفالهم ونسائهم يعلنون مشهد النهاية بعد أن تنحى الفرعون وكتب صديق لنا لافتة قال فيها إن هذا هو الفرعون الوحيد الذي لن تكون له مومياء. «فرعون بلا مومياء»، كان ذلك يوم الحادي عشر من فبراير ولم ترَ مصر زحامًا كالذي رأته يومها وربما لم ترَ فرحة تشبه تلك الفرحة ولكنها ككل اللحظات تنسى.


صورة قبل الأخيرة. جلس بعد فترة مع أصدقائه يناقش السيلفي، بعضهم أحبها والبعض الآخر مزق السيلفي من أجل التصوير مع ثورة أخرى وذهب آخر يأخذ صورة سيلفي مع الهرم الأكبر، وكتب تحتها «هؤلاء أجدادي»، وسمع صوتَا في رأسه يقول «يا عم صلي ع النبي، أنت لا علاقة لك بهؤلاء».
&