قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&&يرتبط وجود الدولة ككيان جغرافي وبشري بمجموعة من الوظائف التي تبدو بديهية، إلا أن الفشل والتهاون أو التراخي في أدائها والقيام بها بالشكل الأمثل يكون كارثيا، بحسب ما يورده عزمي عاشور الكاتب المصري. ويأتي في المرتبة الأولى من مجموع هذه الوظائف الوظيفة الإنمائية التي تتحدد ملامحها في قدرة الدولة على أن تهيئ الحرية، والإطار المؤسسي القادر على تحقيق نهضة تنموية بتعظيم وتوظيف القدرات والموارد الطبيعية والبشرية بمنهج وأسلوب عصري، يؤدي إلى الارتقاء المعيشي والتعليمي والثقافي لمواطني هذه الدولة والانتقال بهم من وضعية التخلف إلى وضعية التقدم. ثانيهما الوظيفة الأمنية سواء كان الأمن في شكل جيش قوي يحم حدود هذا الوطن من الطامعين في أراضيه، أو في شكل جهاز أمن داخلي يستطيع أن يحافظ على أمن المواطنين معليا من قيمة القانون وتنفيذه على الجميع دون تفرقة أو محاباة لفرد أو فئة على حساب أخرى. هذا فضلا عن وظائف أخرى كثيرة تجسد مفهوم الدولة التنموية تأتي على قمتها وظيفة الاندماج القومي، التي تكون من محصلتها أن يشعر أفراد الوطن بكيان الوطن الفوقي على الجميع الذي يترجم في عملية تفاعلية من البشر ومؤسساتها بحيث تعم فائدتها على الجميع دون تمييز.

&

فالملامح المحددة لشكل الدولة في العصر الحديث تظهر في مدى قدرتها على إعلاء قانونها ومؤسساتها على قوانين هذه الجماعات والإثنيات الفئوية بداخلها، بشكل لا يوجد تميزا لفئة على حساب أخرى، وإنما ينم عن العدالة وتحقيق المساواة أمام مبدأ المواطنة الذي يتساوى عنده الجميع. والدول التي توجد فيها مشكلات كثيرة متعلقة بقضايا الإثنيات والتنوع الديني كانت قدرتها على ترجمة هذا المتغير إلى منج لها من كوارث قد تؤدي إلى مجازر أو إبادة جماعية يقوم بها البشر تجاه بعضهم البعض. والمثال الأوضح على تطبيق هذا المبدأ يظهر في دولة الهند التي استطاعت رغم كبر عدد السكان المتنوع إثنيا ودينيا والذي تجاوز المليار نسمة، يقع 70 في المائة منهم تحت خط الفقر، من إعلاء مفهوم المواطنة بترجمته في مؤسسات الدولة وقوانينها وخلق ما يشبه المواطن الهندي الواحد بصرف النظر عن إثنيته أو دينه.

&

والناظر إلى كثير من المجتمعات العربية، يضيف عاشور، بات يلحظ مؤشرات كثيرة تنم على أن الدولة الوطنية لم تبن بعد، على الرغم من مرور كل هذه السنين من التجربة والممارسة للحكم الوطني، وهو الأمر الذي يطرح التساؤلات الكثيرة حول هذا التأخر. فبات هناك ما يشبه التراجع في مفهوم الدولة في مقابل نمو وازدياد قوة تنظيمات وجماعات قد تكون فئوية أو دينية، تأخذ شكلا موازيا ومضادا في الغالب للدولة ووظائفها. وهي كلها مؤشرات إن دلت على شيء فهي تدل على خلل كبير مرتبط بأن الدولة كمفهوم وممارسة لم يقم تحقيقه على أرض الواقع، والأمثلة كثيرة هنا، إلا أنه تبقى هناك أمثلة لنماذج أولها يمثل نماذج حرجة والآخر يمثل مؤشرا إلى أنه في حالة استمرار الأوضاع بهذا السوء سوف تتحول إلى هذه الحالة التي تفضي إلى انهيار الوطن.

&

أولا: النماذج الحرجة تتمثل في حالة العلاقة ما بين الدولة اللبنانية والتنظيمات والفصائل التي تعيش في داخلها، فهناك ما يشبه الفصائل الموازية للدولة ليس على مستوى المضمون وإنما في مستوى أداء الوظائف من القيام بالوظائف الأمنية، ليس في الداخل وإنما على الحدود أيضا في شكل ينم عن عدم الاعتراف بشكل ما بمفهوم الدولة اللبنانية، هذا ناهيك عن حالات الانقسام الأخرى التي يزرعها داخل المجتمع مثل هذا الوضع من تنميط الشعب اللبناني في شكل انتماءات دينية وإثنية تعلو أو تهدم بالأساس كل ما يتعلق بمفهوم الوطن بمؤسساته. يجسد هذه الحالة بشكل عملي حزب الله في لبنان الذي أصبحت ممارسته الموازية والمضادة بطبيعة الحال للدولة اللبنانية واضحة للعيان، ليس عن طريق البرتوكولات المتعارف عليها، وإنما على طريقة برتوكول اللادولة في أن يستقبل فصيل مناوئ داخل دولة رئيس دولة، وما يحمله ذلك من دلالات أبرزها عدم الاعتراف بالدولة ومؤسساتها وأنه فوقها، وبروز مثل هذه النماذج في دولة ممثلة في لبنان من شأنها أن يجعلها دائما دولة في مهب الريح في سبيل أن تكون بؤرة لتنظيمات مسلحة تتقاتل فيما بينها، الأمر الذي قد يؤدي بها في النهاية إلى أن تصبح أحد الأحياء التابعة لدولة أخرى أكثر تنظيما في الجيش وقدرة على إدارة الحكم، ولتكن في ذلك إسرائيل التي حاولت مرارا احتلال لبنان في السابق.

&

ثانيا: النماذج التي من الممكن أن تتحول إلى حالة حرجة، ومعظم الدول العربية ليست ببعيدة عن هذه الحالة. فعلى سبيل المثال، الدولة المصرية على الرغم من كونها تتميز عن باقي الدول العربية في كونها استطاعت بعد فترة الاستقلال أن تخلق ما يشبه الاستمرارية في نخبتها حيث عمليات انتقال السلطة كانت تتم بشكل سلمي من نخبة سابقة رحلت إلى نخبة تالية، في حالة يندر أن توجد في النظم الجمهورية العربية الأخرى التي كانت تنتقل فيها السلطة عن طريق انقلابات، وهو الأمر الذي أوجد بشكل ما قدرا من المؤسساتية ظهرت تطبيقاتها في وجود مؤسسة قضائية كل يوم تصدر أحكاما قضائية لا تفرق فيها بين وزير وغفير على حد تعبير المصريين. وعلى الرغم من كل ذلك تستشعر الآن أن ثمة أمورا تحدث قد تؤدي إلى أضرار جسيمة في المستقبل، وهي المتمثلة في بروز أدوار موازية لدور الدولة ليس بمثل الحالة اللبنانية، وإنما بشكل آخر ينم عن أن ثمة مشكلة في حاجة إلى حل، أبرزها في هذه الحالة الوضع السياسي للكنيسة القبطية التي تحولت لأن تكون وطنا موازيا للدولة، فالفرد الذي ينتمي إليها دينيا باتت هي الملاذ له، وليست مؤسسات الدولة، عندما يقع عليه ظلم. تتعدد هنا الأسباب ربما أبرزها خفوت دور الدولة كمفهوم وممارسة للوطن وبروز أداور موازية أخرى قد تكون في الكنيسة أو في المسجد أو في عمليات الاحتقان الطائفي التي تغذيها رموز التطرف الديني لدى الجانبين، ومن ثم لا يلبث أن يتحول موضع تحول ديانة شخص إلى مشكلة تهز المجتمع أو تصريح يقال بشأن الآخر إلى موضوع تظهر فيه المظاهرات وتعلو أصوات الغضب. ويختم عاشور ورقته مشيرا إلى أن هذا يحدث في ظل أولويات أخرى غائبة كان من الضروري البحث والتظاهر من أجلها، كل ذلك مؤشرات لا تعكس قوة المجتمع ولا قوة الدولة الوطنية بقدر ما تعكس قوة الفئوية والطائفية على حساب الوطن والمجتمع الذي يشكل الحضن الآمن للجميع من عنف الداخل وتهديدات الخارج.

&

&

&