قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الرحمن الحبيب

انتشرت الشعبويات في أوربا: فبعد اقتراب هوفر، زعيم حزب الحرية النمساوي، من الفوز بالانتخابات الرئاسية، وبعد تصويت البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي، قد تواجه إيطاليا تصويتاً يخرجها من الاتحاد، فيما مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية تبدو مرشحة قوية بالانتخابات.

هذا جعل البعض بكل أنحاء العالم يرى أن الشعبوية التي تنطلق في أوروبا لم تعد فقط خطراً محتملاً بل واقعاً مرعباً، محذرين من أنها قد تقود للفاشية التي بدورها ستكون مقدمة لحروب عالمية كما حصل بالنصف الأول من القرن العشرين، فيما يرى آخرون أنها مبالغات تحذيرية.. فهل ستهيمن الشعبوية على العالم الغربي؟

بدايةً يقصد بالشعبوية: الفكر السياسي المستند إلى خطابات حماسية تدغدغ مشاعر الجماهير لكسب تأييدهم العاطفي مستغلاً تذمرهم ضد الأزمات المعقدة وتبسيط حلها بشعارات فاقعة. الشعبوية بهذا المعنى تناقض العقلانية المستندة إلى أفكار ورؤى تعتمد الواقع من أرقام ومعلومات تخاطب عقول الناس ومصالحهم الفعلية.

هناك من يقول إن التاريخ يعيد نفسه كدوائر، فالشعبوية ستكون بوابة دخول الفاشية لدورتها بعد استنفاد الديمقراطية الليبرالية لدورتها مع تصاعد أزمة العولمة الرأسمالية بضربها لمصالح الطبقة الوسطى في الدول الرأسمالية، كزيادة عدم المساواة والبطالة. على النقيض من ذلك، ثمة من يرى أن تلك الشعوبيات هي رد عملي على تصدع المؤسسات السياسية التقليدية.

ما صلة الشعبوية الحالية بالفاشية التي ظهرت في أوروبا قبل قرن وسببت أسوأ الحروب التي عرفتها البشرية؟ كلتاهما ظهرتا من اليمين المتطرف المدجج بالقوميين المتشددين مع شجب حاد للقادة الديمقراطيين الليبراليين.. وكلتاهما أطلقتا وعوداً خطابية حماسية بإعادة هيبة الأمة وحمايتها من أعدائها، ورعاية مصالح الشعب الذي يتم تعريفه بتعابير قومية ودينية..

لكن الشعبويين يرفضون بشدة هذا التشبيه بالفاشية، قائلين إنهم لا يقفون ضد الديمقراطية بل يريدون تحسينها كي تمثل الشعب بصورة أفضل لتواجه الفساد والخداع الذي تمارسه النخبة والمؤسسات الحاكمة.. «نحن ضد الليبرالية وليس الديمقراطية»، يقول الشعبويون. مبدئياً، يحق للشعبويين هذا الاعتراض، فهم بالأساس يأتون من التصويت الديمقراطي الذي يسمح لهم بالوصول للسلطة؛ لكن ذلك، أيضاً، سمح للفاشيين بالوصول للسلطة، فهل يعيد التاريخ نفسه؟

التاريخ لا يعيد نفسه إلا في خيالاتنا، فما بين الحربين العالميتين كانت الاضطرابات محتدمة بين الدول الأوروبيَّة على عكس ما هو الآن من وئام، رغم ما يظهر من تشابه الاضطرابات الاقتصادية. كما أن الديمقراطية الحالية في غرب أوروبا وأمريكا تجذرت في عمق المجتمع بمؤسساته المدنية والسياسية، فيما الحكومات أدخلت تحسينات ضخمة في التعليم والصحة والشؤون البلدية والاجتماعية لا يمكن مقارنتها بما كان متوافراً آنذاك.

العالم تغير كثيراً.. بداية بثورة الاتصالات التي اختصرت المسافات وقاربت مناطق العالم، ونهاية بتوحيد الهياكل الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة وما يتبعها من منظمات دولية (صحية، بلدية، صناعية، زراعية..) توحد المعايير وتدمج المصالح بين دول العالم.. وما بينهما المنظمات العالمية غير الحكومية، والشركات المتعددة الجنسيات ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي.. كذلك ثورة المواصلات، إِذْ أصبحت البلدان تستقبل سنوياً عشرات الملايين من السياح ورجال الأعمال والعمال والمهاجرين، فيما كان الوضع قبل قرن لا يتجاوز بضعة آلاف.. كيف سيمكن لزعيم شعبوي بخطاب حماسي أن يوقف هذه الأمواج؟

لذا، الشعبويون في الدول الغربية فرصهم ضعيفة لتأجيج الوضع مقارنة بنظرائهم ما بين الحربين العالميتين. هذا لا يعني عدم إمكانية ظهور فاشيات من نوع جديد، لكن الخطر ليس من الشعبويين، لأنهم لا يخلقون الأزمات بل يستغلون فشل الديمقراطيات الغربية في حل مشاكلها وعدم قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين كما تعبر البروفيسورة الأمريكية شيري بيرمن (جامعة كولومبيا).

بيرمن تضرب مثلا بأمريكا: ارتفاع عدم المساواة، انخفاض الأجور، تدهور مستوى المعيشة، الجمود في الكونغرس، تدفق الأموال للنخبة لعبت دوراً في تأجيج الوضع لدعم ترامب أكبر من الكاريزما التي يتمتع بها أو الميول الاستبدادية المفترضة لأنصاره. ومن هنا على اليمين التقليدي أن يحذر من احتضان الشعبويين في جناحه فهم يشكلون خطراً على المؤسسات الديمقراطية كلها يمينها ويسارها.. عليهم ألا ينجروا مثلما أنجر الجمهوريون في أمريكا مع المطالبات الوهمية للشعبويين بالتساؤل عن جنسية الرئيس أوباما، أو بالتشكيك بتزوير الانتخابات وبالتالي تقويض ثقتهم في الديمقراطية.

الشعوبية هي أحد أعراض فشل الديمقراطية، لكن ليس بالضرورة أن تتحول إلى فاشية. إنما إذا كانت الحكومات الغربية لا تبذل جهداً لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية؛ وإذا كان السياسيون والأحزاب السائدة لا يقومون بعمل أفضل للوصول لجميع المواطنين، وإذا واصل المحافظون غض الطرف عن المتطرفين وشعاراتهم، فإنَّ الغرب يمكن أن يجد نفسه قد انتقل من الشعبوية إلى الفاشية، حسب بيرمن.

«فاشية!» هكذا أطلق معارضو مارين لوبان عليها.. فرفعت دعوى ضدهم، لكن المحكمة قضت بحق هؤلاء المعارضين استخدام هذا النعت القاسي. إذا كانت المحكمة بكل حياديتها الصارمة لم تر بأساً في اتهام الشعبويين بالفاشية التي تعتبر في فرنسا من أقسى أنواع القذف، فقد يكون من الصعب التفريق بين الشعبوية والفاشية، على الأقل في السياق الإعلامي.