قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فهد سليمان الشقيران

لم يهيمن الإرهاب وموضوعه على الواقع والحواجز، والأمن والحدود، بل دفع الدراسات الإنسانية بشتى تشعّباتها واهتماماتها من البحث عن مغامراتٍ متعددة، للبحث في جذور الإرهاب وألغازه.. عن مصادره ومنابعه، عن الطاقة التي ساعدتْه على البقاء طوال القرون التي عاشها المسلمون. أخذ الإرهاب والعنف حيويتهما من معاصرتهما، حيث استطاعا ركوب موجة المعاصرة والحداثة منذ ثلاثين سنة، ودخلا على خط التيارات اليسارية وجموع المقاومة وفصائل النضال متقاطعين معها في الأسلوب والهدف.


ومع خطاب «العولمة» والحديث عن «النهايات» بما فيها نهاية الجغرافيا، تصاعد التفسير السياسي للإرهاب، بحيث تحوّل إلى مظهر عولمي، وطفرة متوقّعة من نمط العولمة الكاسح الذي تحدّى الثقافات والهويّات واستفزها للنفرة والدفاع، ومن هذا التفسير حضر التعالق بين حلّ قضية فلسطين وانتهاء الإرهاب أوائل الألفية الحالية، غير أن أطروحة «الإرهاب - العولمة» كانت الأكثر ترددًا في صدى بعض الدراسات الفكرية حول العنف والإرهاب.


التفسير العولمي لموضوع الإرهاب كان مغريًا للإسلاميين بوصفه اختراقًا معرفيًا لتبرئة ساحتهم من الإدانة والمسؤولية، ولتحميل الغرب والإمبراطورية الأميركية عبء نشوء «القاعدة» بوصفها جريرة أفغانستان، و«حماس» لكونها نتيجة تعثّر موضوع فلسطين، وحزب الله لأنها حركة مقاومة تقوم بحماية المدنيين من نار إسرائيل.. هكذا يطرح تفسير الإرهاب في المواقع الإلكترونية الراديكالية منذ عشرين سنة وحتى اليوم. ويتقاطع مع هؤلاء بعض فلاسفةٍ ومفكرين غربيين، نأخذ مثلاً مقولة بول دوميشال، حين حذر من أنه لا يمكن فهم الإرهاب والعنف المهيمنين في الحاضر دون ربطهما بالعولمة، وأن الإرهاب يسعى إلى وضع النظام السياسي المهيمن موضع تساؤل، فهو مرتب بالإمبراطورية ومتواطئ معها، كما في المؤلف المشترك في كتاب «الإسلام والعولمة والإرهاب».


في الكتاب نفسه يطرح الفرنسي أوليفيه مونجان، رؤيته، حيث يذهب إلى أن الانطباع السائد بأن التهديدات الهوياتية والعولمة يؤديان إلى ظهور عنف داخلي مستشر يصعب التصدي له، سيعزز أطروحة «حرب الثقافات» التي فرضت نفسها بعد حرب الخليج، على العقول خلال سنوات التسعينات، وتؤكد فكرة أن مصدر التهديدات هو دائمًا مصدر خارجي. كل هذا الطرح حول التفسير العولمي للإرهاب لم تعد له قيمة أو جدوى، لأن كل الإحالات للإرهاب أو العنف بموضوعٍ خارج جوهرية مدده الفكري، مضيعة للوقت واستغلال للظاهرة بغية ممارسة التوبيخ الآيديولوجي، من خلال تعميم التحليل الاقتصادي والسياسي للموضوع الإرهابي، واستحضار الهوية، والنزاعات الأهلية، وحركات المقاومة، وقضايا التحرير العالقة في الشرق الأوسط وما سواه من العالم الثالث؛ إذ يعد أوليفيه روا هو الآخر أن الإرهاب بقدر ما هو حالة عولمة، فإنه بالأساس أيضًا «ظاهرة عالم ثالثيّة».


محمد أركون في محاضرةٍ له في بروكسل ألقاها في الخامس من مايو (أيار) عام 2007، بعنوان «الإسلام في مواجهة تحديات أوروبا الحداثة» ضرب على وتر العولمة في تحليل العنف، حيث قال بالنص: «إن العنف، على عكس ما يزعم الإعلام الغربي، ليس آتيًا فقط من جهة المتطرفين الأصوليين، وإنما من جهة الغرب وحلفائه أيضًا، وعنف العولمة الغربية هو الأقوى نظرًا للقوة الجبروتية للغرب». مع أنه مؤرخ استثنائي في تاريخ المسلمين الحديث من حيث الشجاعة في إدانة الطاقات المحروسة التي يستمد منها الإرهاب مدده، لكنه أراد ممارسة هوايته النقدية المفضلة في «الحرب على كل الجبهات»، وإلا فلا يمكن أن يعد أركون العولمة محرّكة الإرهاب وأساس العنف الديني، وإلا فإنه ينكر أبحاثه الكبرى وورشته في الإسلاميات التطبيقية التي بدأها منذ الستينات الميلادية.


على الضفّة الأخرى من السجال يدخل علي حرب في كتابه الصادر مؤخرًا «الإرهاب وصنّاعه» لإدانة التفسير العولمي للإرهاب، مصرّحًا بأنه يختلف «مع أوليفيه روا الذي يرى أن التنظيمات (الجهادية) هي (نتيجة العولمة) لا نتيجة الإسلام السياسي. مثل هذا الرأي يقوم على تناسي الأساس الفكري لـ(المشروع الجهادي)، وأن هذا المشروع هو الترجمة للفكرة الأصولية التي زرعتها في العقول الحركات الإسلامية». وهو بهذا يردّ على أوليفيه روا في كتابه «فشل تجربة الإسلام السياسي» في مقدّمته للطبعة الثانية الصادرة عام 1996.


مع ظهور تنظيم داعش، أعيدت نفس النبرات التحليلية تلك، عبر إحالاتٍ كثيرة. التفسير الإخواني لظهور «داعش» يتمحور حول «قمع الحكومات» للربيع العربي وتآمرها على انتخاب الإخوان المسلمين في تلك الدول، بينما يعدها البعض طفرة حداثية نتجت عن سيولة المعلومة وثورة التقنية، هذا مع تأكيد محللين آخرين على وضع «داعش» ضمن مؤامرةٍ غربية، وأخرى بعثية، ولا تنتهي التفاسير والإحالات لهذه الطفرة الدموية الاستثنائية.


بآخر المطاف، تبقى التنظيمات بما تطرحه من أفكار، ومن محاضرات وفتاوى، من كتبٍ مقررة، كل هذا النتاج يعبّر عنها أكثر من أي تفسيرٍ آخر، وإذا كان المتخصصون سيبقون لاهثين باحثين عن ألغازٍ مضمرة، وأسباب مبهمة، ووثائق استخباراتية سريّة لظهور التنظيمات، فإن المجتمعات الإسلامية التي فشلت في مواجهة تنظيمات سابقة، ستكون فاشلة أيضًا في مواجهة أي تنظيم لاحق. الإرهاب ليس سلاح الأقوياء كما يقول نعوم تشومسكي، بل الإرهاب سلاح المجرمين القتلة، وليس نتاج إمبراطورية أو جهة اقتصادية، بل نتاج ما بين الأيدي من التعاليم، إنها البضاعة المتاحة وقد أعيد ترتيبها بدمويّة فظيعة، ثم ارتدّت على المسلمين من جديد.