حسن أبو هنية

منذ اندلاع الحركات الاحتجاجية السلمية في سورية منتصف مارس 2011 ثم تحولها إلى نزاع عسكري مسلح بعد عدة شهور وبدء تدفق الجهاديين شغلت مسألة المقاتلين الأجانب الحكومات الغربية والعربية والعالمية فقد شكلت جبهة سورية أكبر ساحة جذب للمقاتلين الأجانب في التاريخ المعاصر ونظرا لخطورة الظاهرة وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والدولي انشغلت المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزة الاستخبارات العالمية ومراكز الأبحاث الرسمية والأهلية بتتبع ظاهرة المقاتلين الأجانب على صعيد الأرقام والاحصاءات وجنسيات المقاتلين وتوجهاتهم الإيديولوجية وآليات التعامل معهم من خلال البرامج التقليدية العسكرية والأمنية وكيفية التعاطي مع العائدين من خلال مقاربات العدالة الجنائية وبرامج إعادة التوجيه والدمج.

على الرغم من صدور عشرات التقارير والدراسات الصادرة عن مؤسسات رسمية موثوقة ومراكز بحثية مرموقة حول المقاتلين الأجانب وتقارب نتائجها إلى حد الإجماع والتي حصرت أعداد المقاتلين بحدود 30 ألف مقاتل من كلا الجنسين من أكثر من 100 دولة إلا أننا نشهد بين فينة وأخرى ظهور تقديرات من جهات غير موثوقة ولا مسؤولة مشبعة بأجندة سياسية تتماهى مع الدكتاتورية والسلطوية تارة وأجندة مؤامراتية تتماهى مع الخرافة والأسطورة تارة أخرى وللأسف الشديد فإن تلك الخرافات تحت مسمى الأبحاث والدراسات تجد صدى كبيرا وانتشارا هائلا ومن هذه النماذج التي شاعت مؤخرا ورقة حملت اسم دراسة ظلما التي أعدها الدكتور جميل شاهين لمركز دراسات «فيريل» في ألمانيا.

بحسب الدراسة المزعومة فقد بلغ مجموع المقاتلين الأجانب من 93 جنسية عالمية ضد الجيش السوري، منذ نيسان/ إبريل 2011 حتى كانون أول/ ديسمبر 2015 أكثر من 360 ألف مقاتل أجنبي بالتناوب من الرجال والنساء قتل منهم 95 ألفا، وخلصت الدراسة الخرافية إلى أن «عدد المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون الجيش السوري حالياً هم 90 ألف مقاتل في سورية، وأن الجزء الأكبر منهم في صفوف «داعش» وجبهة النصرة، أما عدد المقاتلين الذين يحملون جنسيات أوروبية وأميركية، فبلغ 21500 عاد منهم 8500 فقط إلى دولهم أما عدد الأردنيين في سورية بحسب الخرافة فقد بلغ 3900 وإن 1990 منهم قتلوا فيما بلغ عدد المفقودين منهم 265، بينما نعلم أن أعداد الأردنية لا تتجاوز الفي مقاتل قتل منهم حوال 400 شخص.

في سياق غياب العقل النقدي وحضور المخيال الأسطوري لم يتساءل أحد عن مصداقية الخرافة الموسومة بـ «الدراسة» ولم يكلف أحد نفسه السؤال عن معدها جميل شاهين وهو طبيب سوري وروائي مغمور مقيم في ألمانيا كما لم يتوثق أحد من مركز «فيريل» وهو لا يعدو كونه صفحة على شبكة الإنترنت تغص بمقالات لمدير ومالك فيريل الدكتور جميل شاهين وهو من أنصار النظام السوري، فضلا عن كونه لا معرفة لديه ولا أدنى خبرة بالحركات الجهادية والجماعات المسلحة ومع ذلك فقد بدت أجندته واضحة للعيان حيث استخدم لغة غير علمية في دراسته المزعومة حين تحدث عن «جهاد النكاح «ولا أعرف كيف يمكن لباحث أن يردد تلك السخافة التي انتجتها الدعاية السياسية الموالية للنظام السوري، كما أنه يعيد ترسيخ نظرية المؤامرة الكونية التي لم يمل الأسد وأنصاره من تكرارها ويؤكد أن أكثر المقاتلين عددا هم من تركيا وهي مسألة فضلا عن مغالطتها للحقيقة تتماهى مع الدعايات السياسية التابعة لنظام الأسد.

بعيدا عن خرافات طبيب «فيريل» بشأن المقاتلين الأجانب والعقل الأسطوري لمتلقي الخرافة فقد أشار تقرير الأمم المتحدة الذي أعدته لجنة مراقبة نشاط تنظيم «القاعدة» في مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 أيار/ مايو 2015إلى ارتفاع عدد المقاتلين الأجانب بنسبة 71% بين منتصف عام 2014 وآذار/ مارس 2015، وأشار التقرير إلى أن عدد المقاتلين الذين غادروا أوطانهم للانضمام للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ودول أخرى بلغ أكثر من 25 ألف شخص وذلك من أكثر من 100 دولة وبحسب التقرير فإن أكثر من 20 ألف مقاتل أجنبي توجهوا إلى سوريا والعراق وكانت وجهتهم الأساسية للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، وفي نيسان/ إبريـل 2015 قـدرت الأمـم المتحـدة أن مـا ال يقـل عـن 22 ألف مقاتـل أجنبـي مـن 100 دولـة قـد انضمـوا إلى الجهـاد في سـوريا والعـراق منهم حـوالي 4 آلاف مقاتـل مـن أوروبـا الغربيـة وفي 5 تموز/ يوليو 2016 أكد مدير لجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب جان بول لابورد أن قرابة 30 ألف «مقاتل إرهابي أجنبي» ينتشرون في العراق وسوريا محذرا من مخاطر ارتكاب هجمات أوسع في بلدانهم الأصلية.

لا تختلف تقديرات الأمم المتحدة حول أعداد المقاتلين الأجانب عن التقديرات الرسمية للحكومات الغربية ووكالات الاستخبارات العالمية وفي مقدمتها الأمريكية وهي تتطابف مع تقديرات مراكز الأبحاث الدولية وتقديرات الباحثين والخبراء في الشؤون الأمنية والحركات الجهادية فبحسب مجموعة «صوفان» الاستشارية الأمريكية التي أصدرت مجموعة من التقارير الدورية حول المقاتلين الأجانب جاء في تقرير صدر في كانون أول/ ديسمير 2015 أنَّ عدد المقاتلين الأجانب في سوريا زاد للضعفين خلال الـ 18 شهرا الأخيرة وذكرت أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا في شهر حزيران/يونيو 2014 كان يقدر بـ12 ألف شخص أما في كانون أول/ديسمبر 2015 فزاد عددهم ليتراوح بين 27 و31 ألفا قادمين من 86 دولة، وهي تقديرات تتوافق مع تقديرات كافة المراكز البحثية الخاصة بمكافحة الإرهاب.

تتوافق معظم الأرقام الأممية والحكومية مع تقديرات الخيراء والمختصين اللذين عملوا على دراسة الظاهرة لحساب مؤسسات ومراكز بحثية موثوقة أمثال تشارلز ليستر وهو باحث مرموق زائر في معهد بروكنجز، وتوماس هيغهامر مدير أبحاث الإرهاب في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية وهارون زيلين زميل في المركز الدولي لدراسات التطرف في كينغس كوليدج بلندن وريتشارد باريت وبيرت نيومان وبيرت نيرس وغيرهم كثير.

خلاصة القول أن شيوع وانتشار دعايات سياسية تحت مسمى دراسات بحثية تعبر عن انحطاط أخلاقي واستخفاف بالعقل النقدي وتكشف المبالغات حول مسألة المقاتلين الأجانب في سورية والعراق وخرافة مركز فيريل عن حالة من التجهيل والأسطرة إذ لم تتمتع أي دراسة موثوقة صادرة عن مؤسسات أممية أو مراكز بحثية مرموقة بأي اهتمام أو انتشار رغم وجودها على مواقع تلك المؤسسات ومراكز الأبحاث بلغات عديدة.