عبدالله بن بجاد العتيبي

حدث‎ ‬بالغ ‬الألم ‬ذاك ‬الذي ‬جرى ‬الأسبوع ‬الماضي ‬وهو «‬تفجير ‬قندهار»‬ الذي ‬ذهب ‬ضحيته ‬أبطال ‬خيرٍ ‬إماراتيون ‬كان ‬جلّ ‬همهم ‬مساعدة ‬الشعب ‬الأفغاني ‬ومدّ ‬يد ‬العون ‬له. إنها‎ ‬جريمة ‬غدرٍ ‬صريحة، ‬واتباع ‬لسياسة ‬الغدر ‬الإرهابي ‬التي ‬أسستها ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين»، ‬وتسير ‬على ‬دربها ‬كل ‬جماعات ‬الإرهاب ‬المعاصرة، ‬والغدر ‬مذموم ‬بنصوص ‬الأديان ‬وقيم ‬الأخلاق، ‬وهي ‬جريمة ‬ترفع ‬رؤوس ‬ضحاياها ‬عالياً ‬في ‬سماء ‬الفخر ‬والعزة. الحدث‎ ‬مؤشر ‬مهم ‬على ‬استعادة ‬«طالبان» ‬لنشاطها ‬الإرهابي، ‬وتأكيد ‬لكون ‬أفغانستان ‬لم ‬تزل ‬هدفاً ‬للانتقال ‬إليها ‬مجدداً ‬بالنسبة إلى تنظيمات ‬الإرهاب ‬التي ‬بدأ ‬التضييق ‬عليها ‬في ‬أماكنها ‬المستقرة ‬منذ ‬سنواتٍ، ‬فمع ‬الضغط ‬الدولي ‬ضد ‬تنظيم ‬«داعش» ‬في ‬العراق ‬وسوريا، ‬فقد ‬بات ‬التنظيم ‬يفتش ‬عن ‬خيارات ‬للانتقال، ‬وبيئات ‬قابلة ‬لاستقباله، ‬هو ‬و«جبهة النصرة» ‬التابعة ‬لتنظيم ‬«القاعدة»، ‬وينطبق ‬الأمر ‬ذاته ‬على ‬تنظيم ‬«القاعدة ‬في ‬اليمن»، ‬الذي ‬بدأ ‬التحالف ‬العربي ‬وقوات ‬دولة ‬الإمارات ‬تضرب ‬معاقله ‬في ‬الجنوب ‬اليمني.

ليست‎ ‬أفغانستان ‬هي ‬الخيار ‬الأول ‬لتنظيمات ‬الإرهاب ‬للانتقال ‬إليها ‬بل ‬تسبقها ‬ليبيا، ‬التي ‬لم ‬تزل ‬غارقة ‬في ‬الفوضى ‬بين ‬تناقضات ‬دولية ‬في ‬التعامل ‬معها ‬وتناقضات ‬داخلية ‬لا ‬تقلّ ‬تشتتاً ‬وضياعاً، ‬وتجد ‬فيها ‬تنظيمات ‬الإرهاب ‬ملاذاً ‬آمناً ‬وتمنحها ‬فرصاً ‬للانتشار ‬وتوفير ‬التموين ‬والسلاح، ‬فهي ‬متصلة ‬جغرافياً ‬بمثلث ‬الجزائر ‬مالي ‬موريتانيا، ‬وقريبة ‬من ‬الصحراء ‬ولها ‬حدود ‬ممتدة ‬مع ‬ثلاث ‬دولٍ ‬عربيةٍ ‬مستهدفةٍ ‬من ‬الإرهابيين، ‬مصر ‬والجزائر ‬وتونس.

أما‎ ‬حلم ‬العودة ‬لأفغانستان ‬بالنسبة إلى الإرهابيين ‬فذلك ‬لعدة ‬اعتبارات ‬منها ‬اعتبارها ‬مرتعاً ‬قديماً ‬لهم، ‬يعرفونه ‬ويعرفون ‬طبيعته ‬الجغرافية ‬وقياداته ‬المحلية ‬وطبيعته ‬الديموغرافية ‬وغيرها ‬من ‬التفاصيل ‬المؤثرة، ‬ومنها ‬اعتبارها ‬مركزاً ‬لصراعات ‬القوى ‬الإقليمية ‬التي ‬لا ‬تسمح ‬بوجودٍ ‬أكبر ‬لخصومها ‬داخل ‬أفغانستان ‬وبالتالي ‬فإن ‬ذلك ‬يخلق ‬فراغاتٍ ‬في ‬السلطة ‬تستغلها ‬جماعات ‬الإرهاب ‬أسوأ ‬استغلال.

وأكثر‎ ‬من ‬هذا، ‬وقبله ‬وبعده، ‬أن ‬أفغانستان ‬لطالما ‬خضعت ‬لاستغلال ‬كبيرٍ ‬من ‬قبل ‬جارتها ‬الإيرانية ‬ذات ‬النظام ‬الثوري ‬الإسلامي، ‬والتي ‬ثبت ‬أن ‬إيران ‬لطالما ‬استغلت ‬موقعها ‬المجاور ‬لدعم ‬الإرهاب ‬في ‬أفغانستان ‬وحول ‬العالم ‬أو ‬لإيواء ‬الإرهابيين ‬الفارين ‬من ‬أفغانستان ‬فعلت ‬ذلك ‬مع ‬عناصر ‬من ‬«القاعدة» ‬وتفعله ‬مع ‬عناصر ‬من ‬«طالبان»، ‬وهذا ‬كله ‬موثقٌ ‬دولياً ‬ومعروفٌ ‬لكل ‬متابعٍ ‬أو ‬باحثٍ.

لطالما‎ ‬قدمت ‬دولة ‬الإمارات ‬الشهداء ‬الأبطال ‬في ‬ساحات ‬الوغى، ‬في ‬مشاركاتها ‬الطويلة ‬ضمن ‬قوات ‬الأمم ‬المتحدة ‬في ‬شتى ‬النزاعات، ‬وآخرها ‬شهداؤها ‬الأبرار ‬في «‬التحالف ‬العربي» ‬لدعم ‬الشرعية ‬في ‬اليمن ‬وإنقاذ ‬اليمن ‬من ‬أذناب ‬إيران ‬وشرها ‬المستطير ‬في ‬الدول ‬العربية، ‬ولكن ‬الأمر ‬مختلفٌ ‬هذه ‬المرة، ‬فالمستهدفون ‬الشهداء ‬الأبرار ‬لم ‬يكونوا ‬مقاتلين ‬مسلحين، ‬وإنما ‬دبلوماسيون ‬ورواد ‬للعمل ‬الخيري، ‬وهو ‬ما ‬جعل ‬المصاب ‬كبيراً ‬والحزن ‬عميقاً.

من‎ ‬هنا ‬قررت ‬الدولة ‬إعلان ‬الحداد ‬وتنكيس ‬الأعلام ‬لفقد ‬هذه ‬الكوكبة ‬المخلصة ‬من ‬مواطنيها، ‬رواد ‬الخير ‬ورسل ‬السلام ‬والمحبة، ‬وقد ‬أحسنت ‬وزارة ‬الخارجية ‬بفتح ‬سفاراتها ‬في ‬شتى ‬البلدان ‬لتلقي ‬العزاء، ‬ففي ‬ذلك ‬منح ‬فرصةٍ ‬للعالم ‬أجمع ‬ليعبر ‬عن ‬تضامنه ‬مع ‬الإمارات ‬ضد ‬أيدي ‬الغدر ‬والخسة ‬والإرهاب.

الإرهاب‎ ‬المعاصر ‬لا ‬يقوم ‬إلا ‬على ‬الغدر، ‬غدر ‬الولد ‬بأمه ‬وأبيه، ‬غدر ‬الأخ ‬بأخيه ‬وقريبه، ‬ولكن ‬الإرهابي ‬لا ‬يكون ‬إرهابياً ‬بين ‬عشيةٍ ‬وضحاها، ‬بل ‬هو ‬خطاب ‬التطرف ‬والغلو ‬الذي ‬تنشره ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬في ‬كل ‬مكانٍ ‬تجد ‬لها ‬فيه ‬موطئ ‬قدمٍ، ‬فهي ‬تعمل ‬لسنواتٍ ‬في ‬التعليم ‬والمساجد ‬وشبكات ‬الإنترنت ‬ومواقع ‬التواصل ‬لتحول ‬الشاب ‬المسلم ‬إلى ‬قنبلةٍ ‬موقوتةٍ ‬تنتظر ‬من ‬يفجرها. أخيراً، ‎ ‬فحسب ‬تصريحات ‬القيادة ‬الإماراتية ‬فإن ‬هذه ‬الجريمة ‬لن ‬تزيد ‬دولة ‬الإمارات ‬إلا ‬ثباتاً ‬في ‬وعيها ‬المتقدم ‬وتحدياً ‬للإرهاب ‬وداعميه ‬واستمراراً ‬في ‬تطوير ‬العمل ‬الخيري ‬إلى ‬أعلى ‬المستويات.