قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أمين طلال

الاستبداد في كل زمان ومكان يعتبر خللا وجرما لا يغتفر، كما ويعبر عن وجود مرض أو عدة أمراض نفسية في المستبد، وهو أيضاً دلالة انهيار تام لكل القيم الأخلاقية في شخص المستبد وفي الداعمين له والمستفيدين منه.

أما لماذا "موسوليني" فلكي يستقيم عنوان المقال لا أكثر، وعموماً القضية ليست قضية عنوان إنما هي قراءة في صورة الاستبداد بين الأمس واليوم. مثلاً بالأمس كان المستبد فرداً يؤمن بقضية محددة، ومن أجلها يجيش الآخرين ويجندهم، كانت له أفكار ورؤى يعتد بها وقدرات عقلية عالية تمكنه من قيادة الجموع نحو الهاوية، كان قائداً ذا هيبة ومتحدثاً متمكناً وخطيباً مفوهاً، بالإضافة إلى بضع صفات أخرى إن لم يتوفر أغلبها أو كلها فيه، فقد لا ينجح أن يكون هذا القائد المفدى بالروح والدم، أما اليوم فإن صورة الاستبداد والمستبد تغيرت تماماً، يمكن القول إن صورة المستبد اتجهت اليوم نحو الليونة والبلاهة، هذا لأن مستبد اليوم تحول من قائد فرد مهاب إلى مجرد أداة تتحكم به الجماعة وتستخدمه لتحقق مصالحها وأطماعها، جماعة الأغنياء ورجال الأعمال أو الأحزاب أو الطوائف الدينية أو كل هؤلاء، أي أن زعيم اليوم المستبد الطاغية ليس أكثر من خادم ذليل عند قوى أكبر منه، تتحكم به وبخط سير طغيانه واستبداده.

ما عاد الزعيم الطاغية المستبد قائداً مهاباً لقطيع، إنما بات فرداً في قطيع بلا قائد، تحركهم مجموعة أطماع ودوافع شخصية، وأن يصبح الزعيم المستبد فرداً في القطيع فمنطقياً لن يحتاج إلى تجييش وحشد الآخرين حوله، ويجيشهم حول ماذا إن لم يكن هو ذاته يحمل أي قضية ولا يؤمن بشيء، إن الاستبداد اليوم بات وظيفة لا أكثر، وظيفة يشغلها من تختاره الجماعة وتراه مناسباً، ومن شروط شغل هذا المنصب أن يكون المرشح محدود الذكاء وفي ملامحه شيء من البلاهة، ولا بأس أن يكون أضحوكة الرأي العام وإن تطلب الأمر أن يخرج على الجمهور بلباس الأراجوز فلا حرج، فأصحاب المصالح والمطامع يريدون شخصاً بهذه الصفات تحديداً كي يسهل عليهم التحكم به وتوجيهه نحو تحقيق المزيد من المكتسبات.

إننا لا نشهد اليوم تراجعاً لمفهوم الاستبداد، كل ما في الأمر أن شروط ومتطلبات الاستبداد قد تغيرت، فمستبد اليوم بلا هيبة ولا رصانة كي لا تلتف الجماهير حوله فيصعب حينها انتزاعه في حال انتفاء الحاجة منه، من الشروط أيضاً ألا يتمتع بأي درجة من درجات الذكاء أو أن يمتلك وعيه الخاص به كي لا يقوده عقله إلى تبني قضية أو هدف قد يتعارض من مصالح الجماعة، كذلك من الشروط ألا يكون للمستبد أي طموح أو رؤى أو توجهات، كل المطلوب منه أن يجلس فقط على كرسي الزعامة ويبدأ في ممارسة النهش الممنهج والمحدد له، يمكن القول إن الجماعة أو الجماعات هنا تنصب خادمها في منصب الزعيم المستبد وتغذي إحساسه بالعظمة والقدسية التي يتخيلها متحققة فيه، وفي المقابل تتحصل هي على كل المكتسبات المادية والاقتصادية والسياسية.

وللوقوف على طبيعة الفرق بين استبداد الأمس واستبداد اليوم لابد من عقد المقارنات بين مستبد الأمس ومستبد اليوم، بين "هتلر" و"القذافي" مثلاً، أو بين "صدام" و"علي عبدالله صالح"، أو بين "ستالين" و"جونغ أون"، والحديث هنا ليس بكائية على مستبد الأمس وكأن استبداده كان أجمل، فلا وجود لصفة أجمل هنا فالكل أقبح، إنما الحديث هنا عن الفروقات بين استبداد زمانين مختلفين، بين استبداد الماضي والحاضر، في الماضي كان "هتلر" يلقي الخطبة فيجيش بها الجموع ويبث فيهم الحماس، بينما في الحاضر لا يستطيع المستبد أن ينطق جملة واحدة مفيدة ومترابطة، في الماضي أسس "عبدالناصر" حركة جماهيرية لا تزال تحمل اسمه، بينما في الحاضر لا يملك المستبد ما يؤثر به حتى على زوجته وأبنائه، في الماضي كانت لـ"صدام" شخصية وهيبة، بينما مستبد اليوم تطغى على شخصيته ملامح البلاهة والبلادة، من خلال هذه المقارنات يمكن القول إن الاستبداد بالأمس كان وسيلة لتحقيق غاية عظمى يؤمن بها المستبد، بينما استبداد اليوم ليس إلا وظيفة روتينية يشغلها موظف لا يحمل أي طموح.

عموماً، الاستبداد في كل زمان ومكان يعتبر خللا وجرما لا يغتفر، كما ويعبر عن وجود مرض أو عدة أمراض نفسية في المستبد، وهو أيضاً دلالة انهيار تام لكل القيم الأخلاقية في شخص المستبد وفي الداعمين له والمستفيدين منه، أن يكون المستبد ذا هيبة وعقلية فذة، أو أن يكون ذا بلاهة وبه مس من الجنون، أن يكون خطيباً مفوهاً أو ألا يحسن نطق جملة مترابطة، أن يحمل هم قضية ويؤمن بها أو أن يكون ألعوبة بيد الآخرين، في كل الحالات وكل الأزمنة ينتهي الاستبداد دوماً بالهزيمة والسقوط والمهانة، في المحصلة فإن شخصية كـ"هتلر" رغم إيمانه بقضية ورغم تحوله لمصاص دماء لأجل القضية مات في ذل ولم تنتصر قضيته، و"بشار" هذا الألعوبة والذي حوله المتحكمون به لمصاص دماء سينتهي به المطاف إلى الذل والانكسار، كذلك قوة الشخصية لم تمنع "صدام" من الجرجرة في دهاليز المحاكم لينتهي به المطاف إلى حبل المشنقة، وملامح البلاهة لن تمنع "علي عبدالله صالح" أن يجر في دهاليز المحاكم أيضاً، كل هذا يقود إلى حقيقة واحدة مفادها، أن الاستبداد مهما تعددت ملامحه وأساليبه فنهايته الهزيمة والذل والمهانة.