قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله المدني

صحيح أن كل دول الخليج، دون استثناء، قدمت شهداء كثراً على دروب الحرية والاستقلال أولاً، ثم في حروب الدفاع عن فلسطين، ثم في حرب تحرير دولة الكويت الشقيقة، وأخيراً في حرب إعادة الشرعية لليمن، إضافة إلى من سقطوا من خيرة جنودها في المواجهات الأمنية مع متطرفي تنظيمي «القاعدة» و«داعش» والتنظيمات المسلحة الأخرى المدعومة من النظام الإيراني الأرعن.

لكن الصحيح أيضاً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تبقى في مقدمة الدول الخليجية التي تم استهداف أبنائها المدنيين البررة في زمن السلم، ناهيك عن زمن الحرب. ففي عام 1977، وتحديداً عند الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء الموافق للخامس والعشرين من أكتوبر من ذلك العام، تجرأت يد آثمة تابعة لمجموعة «أبونضال» الفلسطينية المجرمة فاغتالت وزير الدولة للشئون الخارجية بدولة الإمارات الشهيد سيف بن غباش أثناء توديعه لوزير الخارجية السوري الأسبق عبدالحليم خدام في مطار أبوظبي الدولي.

هذه الجريمة النكراء، هزت العالم العربي واستنكرها الجميع بأشد عبارات الاستنكار والإدانة لأنها كانت المرة الأولى التي تلجأ فيها تنظيمات فلسطينية مسلحة إلى استخدام أراضي دولة الإمارات المسالمة والداعمة بقوة لحقوق الشعب الفلسطيني في تصفية صراعاتها وخلافاتها. ومن جانب آخر كان مبعث السخط والاستنكار هو أن الوزير الشهيد كان طوال مسيرته الدراسية والمهنية من أشد المنافحين عن القضية الفلسطينية، فكانت بالفعل مفارقة صادمة أن يسقط الرجل بيد واحد من الذين انتصر لقضيتهم ودافع عن حقوقهم.

وفي 23 سبتمبر 1983 أقدمت نفس الجماعة الفلسطينية المجرمة على عمل آثم آخر تمثل هذه المرة في تفجير طائرة مدنية من نوع بوينج 737 تابعة لشركة «طيران الخليج»، وذلك بوضع حقيبة ملغمة داخل منطقة الشحن. فانفجرت الطائرة في الجو وسقط حطامها في موقع صحراوي بالقرب من مطار أبوظبي الدولي الذي كان من المفترض أن تهبط فيه الطائرة القادمة من كراتشي عبر الدوحة. وقد أسفرت هذه الحادثة عن موت كل ركاب الطائرة وملاحيها البالغ عددهم 112 فرداً، كان من بينهم بعض المسافرين الإماراتيين الأبرياء.

وبعد هذه الجريمة النكراء بستة أشهر تقريباً، وبعد نحو سبع سنوات من اغتيال الشهيد بن غباش، وتحديداً في الثامن من فبراير 1984، عادت جماعة «أبونضال» من جديد لتستهدف بالاغتيال ابناً باراً آخر من أبناء الإمارات هو سفيرها الشاب لدى فرنسا الشهيد خليفة بن أحمد بن عبدالعزيز المبارك (34 سنة) والذي اغتالته الجماعة المجرمة في وضح النهار أثناء عودته إلى منزله في باريس.

وتمضي الأيام لنصل إلى الرابع من مارس 2014 وهو اليوم الذي روى فيه الملازم أول طارق محمد أحمد الشحي بدمه تراب وطنه الثاني البحرين، وذلك حينما سقط شهيداً مع اثنين من زملائه البحرينيين خلال تصديهم لفلول الإرهابيين المدعومين من قوة الشر الإيرانية في منطقة «الديه» بالمنامة، في إطار مهمة دعم الأمن والاستقرار في البحرين ضمن اتفاقية التعاون الأمني الخليجي المشترك. في هذا الوقت تقريباً كان جنود الإمارات البواسل يسقطون شهداء على أرض اليمن جنباً إلى جنب مع أشقائهم السعوديين والبحرينيين ضمن عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل».

مؤخراً، وتحديداً في العاشر من يناير 2017 قدمت الإمارات مجموعة جديدة من الشهداء مكونة من خمسة من أبنائها الدبلوماسيين الأبرار (محمد علي زينل البستكي، عبدالله محمد الكعبي، أحمد راشد المزروعي، أحمد عبدالرحمن الطنيجي، وعبدالحميد سلطان الحمادي)، الذين سقطوا في قندهار.. على أرض أفغانستان التي ذهبوا إليها ضمن وفد لتقديم الدعم الإنساني والتنموي إلى شعبها المنكوب، لكن يد الخسة والنذالة أبت إلا أن تقتلهم بعملية تفجيرية كعادتها، وتصيب معهم سفير الإمارات في كابول جمعة محمد عبدالله الكعبي.

وسواء أكانت إيران الطائفية، أم حركة «طالبان» المقبورة، أم من يقفون مع الأخيرة ويدعمونها سراً من أجل طموحاتهم الاستراتيجية القديمة في بلاد الأفغان، أو جماعة «الإخوان» التي تناصب الإمارات العداء منذ أن شددت الأخيرة الخناق على أنشطتها التدميرية، هم الذين تلطخت أياديهم بارتكاب هذه الحادثة الإجرامية البشعة. وسواء أكان الهدف من وراء العملية هو إثبات عدم سيطرة الحكومة الشرعية الأفغانية بقيادة الرئيس أشرف غني على كامل التراب الأفغاني، أم كان الهدف هو تحجيم الدور الإنساني لدولة الإمارات في أفغانستان، أم كان الهدف هو إبقاء هذه البلاد في حالة البؤس والتخلف والفوضى كي يسهل على الإرهابيين والمتشددين العودة إليها واستعادة نفوذهم بها كما كان الحال في عهدي المجاهدين و«الطالبانيين»، فإن دولة الإمارات- مثلما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومثلما كرر سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية- لن تثنيها مثل هذه الأعمال الجبانة عن مواصلة دورها الإنساني وواجباتها تجاه المحتاجين والمنكوبين في كل مكان وزمان، وستبقى مرفوعة الرأس بين الأمم، فيما أن الذل والعار سيلاحقان قوى الشر العفنة إلى أبد الآبدين.

رحم الله شهداء الإمارات ودول الخليج قاطبة، وأسكنهم فسيح جناته.