: آخر تحديث

شكراً لترامب.. لعلنا استيقظنا!

  يوسف الحسن

يبدو أن مصير القدس المحتلة، قد فاجأنا، ساسة ونخباً وشعوباً، ووضَعَنا أمام أنفسنا وقدراتنا ومسؤولياتنا، وجعلنا نكتشف أننا ثرثرنا عن القدس، في مجالسنا وخطبنا وأغانينا، من غير فعل، «وأشبعنا العدو شتماً، وفاز بالإبل»، تركنا القدس، وغير القدس، تُستباح كل يوم، وسكتنا عن نزيفها الذي لم يتوقف، منذ سبعين عاماً، حتى الآن.
ابتعدنا عنها تحت ذرائع وتبريرات، تعفينا من تحمل مسؤوليتها، واكتفينا بالدعوات الصالحات لها. وكبّر «جهاديون» من أصحاب «اسلام الفسطاطين» في كابول وسوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء
وفي عشرات من مدن العالم.. وأطلقوا اسم القدس على فيالق وكتائب، لكنها«لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت»،، ولا حتى زقاقاً حررت في القدس المحتلة أو في غيرها من مدن مغتصبة، كرمها الله
وباركها، بأنبيائه ورسله، وروتها دماء شهداء وأبطال، دافعوا عنها، وحرروها مرات ومرات في كل العصور.
الشكر إلى سيد البيت الأبيض، رولاند ترامب، الذي، أعادنا إلى القدس، من عطلتنا الطويلة، ومن لامبالاتنا، وربما (أقول ربما) يساعدنا على إنهاء بطالة عربية، إسلامية ومسيحية، لكن من المؤكد أنه وضعنا أمام أعسر الاختبارات، وفي أزمنة أُنهكت فيها عناصر القوة والمناعة في الجسم العربي، بفعل الثمرة المرة التى أثمرها ما سمي ب «الربيع العربي»، وفشل سياسات، وهشاشة ورعونة نظم.ورهانات عبثية على سلام وهمي، مع محتل متغطرس ومتوحش.
إن القرار الأمريكي، باعتبار القدس(الكبرى) عاصمة ل «إسرائيل»، ليس مجرد جرة قلم في إمضاء، ولا هو قرار فردي لرجل من دون ثقافة سياسية وتاريخية، أو لمجموعة أفراد تحيط بالرئيس، إنه قرار تيار قوي ونافذ وثري ومنظم، عماده حركة شبكة واسعة من المسيحية الإنجيلية الصهيونية (كما تسمي نفسها، وتعدادها يتجاوز سبعين مليوناً)، والجماعة اليهودية المنظمة، وقادة من رجال الأعمال الأثرياء والمراكز البحثية والإعلامية اليمينية المتطرفة. إضافة إلى كونجرس، لديه في مخيلته «هوس» بالقدس، يصل إلى درجة «مرَضَية»، ومبنية على تأويلات ونبوءات توراتية زائفة، وعلى حلم «أورشليم» الخرافي، وبناء الهيكل المعبد الثالث،، في موقع الحرم القدسي، وتجميع يهود العالم في «أرض الميعاد»، تمهيداً للعودة الثانية للمسيح، وفقاً لهذا التأويل (وهو موضوع أطروحتي في الدكتوراه)، والذي تعارضه النصرانية الحقة، وبخاصة الفاتيكان، وهو المرجعية الأكبر للديانة النصرانية، وموقفه واضح، وضد الاعتراف بالسيادة «الإسرائيلية» على القدس منذ أكثر من سبعين عاماً، وحتى الآن.
لا شك، أن ظروفاً عربية سلبية مستجدة، وتصدعاً عربياً شاملاً، وعجزاً وترهلاً وانقساماً وتآكلًا في جسم السلطة والنخب والفصائل الفلسطينية، فضلًا عن خيارات سياسية عقيمة، حولت «التفاوض» إلى لعبة عبثية، وتعاملت مع قضية القدس بكثير من الجهل والتجاهل، وكلها عوامل، أسهمت في تهيئة بيئة مؤاتية، لإعلان القرار الأمريكي، الذي يشرعن الاحتلال، ويرفع من منسوب غطرسة «إسرائيل» وتوحشها واستيطانها،، وينتهك القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية. منذ اتفاقات أوسلو، كان الهدف الأمريكي «الإسرائيلي» واضحاً، «قليل من الأرض من دون سيادة إدارة ذاتية، مقابل الاستسلام»، تقديم رواية «إسرائيلية» استشراقية، تقلل من شأن القدس، في التاريخ العربي والإسلامي، وفي الوعي السياسي العربي/‏ إسقاط القدس الغربية من الخطاب الدولي والفلسطيني والعربي الرسميين، رغم أن دول العالم لا تعترف رسميا وقانونيا باحتلال «إسرائيل» للقدس الغربية، ولا باحتلالها للقدس الشرقية، وما زال العالم يعتمد قرار تقسيم فلسطين رقم 181عام 1947، بما فيه من تدويل للقدس، شرقيها وغربيها، ولا يوجد في القدس الغربية الا سفارتا كوستاريكا وسلفادور.
أُسقطت القدس الغربية، من التداول السياسي، المتعلق بالكيان الدولي الخاص بالقدس، شُرّد أهلها من مسلمين ومسيحيين، واستولت «إسرائيل» على أملاكهم، وكانت تقطنها النخبة الفلسطينية الثرية٠وعددها وقتذاك كان نحو ثلاثين ألف شخص، وتشكل مساحتها نحو خمس وثمانين في المئة من مساحة بلدية القدس. وبنت «إسرائيل» فيها الكنيست، ودوائر حكومية عدة، لكن العالم حتى اليوم، لا يعترف بسيادة «إسرائيل» عليها.
في عام 1989، وقعت «إسرائيل» مع الحكومة الأمريكية اتفاقية تؤجر فيها أرضاً في القدس الغربية المحتلة، مساحتها، واحد وثلاثون دونما، لتكون سفارة أمريكية، وبإيجار دولار سنويا، ولمدة تسعة وتسعين عاماً، ويملك هذه الأرض، ومسجلة ملكيتها بأسماء تسع عشرة عائلة مسلمة ومسيحية مقدسية، ويحمل ورثة هذه العائلات جنسيات أمريكية وكندية وأوروبية.
وفي عام 1995سن الكونجرس قانوناً يلزم الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها من «تل أبيب» إلى ما أسماه القدس الموحدة، وقد نص القانون على أن يتم نقل السفارة، بموعد أقصاه 31 مايو 1999، وفي حال عدم نقل السفارة في هذا الموعد، فان الكونجرس قرر معاقبة وزارة الخارجية الأمريكية على تقصيرها، بخفض نصف موازنتها السنوية المخصصة لسكن بعثاتها الدبلوماسية.
لكن تحت ضغط وزارة الخارجية في ذلك الوقت، أضيف إلى هذا القانون نص يخوِّل الرئيس تعليق العقوبة، لفترات طوالها ستة أشهر، إذا استدعت المصلحة الأمريكية ذلك. وقد اكتفى الرؤساء فيما بعد بممارسة حق تعليق العقوبات.. حتى جاء ترامب واتخذ قراره الفج والخطير.
إن الكونجرس هو المؤسسة البرلمانية الوحيدة في العالم، التي تؤيد القدس الكبرى عاصمة لـ «إسرائيل»، والمؤسسة الوحيدة التي احتفلت بمرور ثلاثة آلاف عام على قيام «مدينة داوود/‏ أورشليم دي سي»، والوحيدة التي تقوم بمعاقبة دولتها لمصلحة دولة أخرى.
ما العمل؟ هناك الكثير الذي يمكن التفكير فيه، لكن بعقلية مغايرة، بعيدة عن الشعارات والمصالح الخاصة، وتعمل على تغيير
الواقع السياسي، وتراهن على شعبها البطل المتصالح مع نفسه وقضيته، وتقتنع بأن إقامة سلام مع غاصب، متغطرس، واحتلال غير مكلف له، هو خيار عبثي، وقبض على هواء كثير.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد