قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الجليل زيد المرهون

 

تستمر القوى الظلامية الشريرة في إزهاق أرواح الأبرياء، وتهديد الأمن والاستقرار في مناطق مختلفة حول العالم، وكانت إحدى محطاتها الأخيرة مدينة برشلونة الإسبانية.

والسؤال هو: هل أصبح المجتمع الدولي في موقف الدفاع وإحصاء الخسائر وحسب؟

هناك الكثير من المعاهدات، والاتفاقات والتفاهمات، الثنائية والمتعددة والعالمية الطابع، ذات الصلة بمواجهة الإرهاب.

وهناك، في الوقت نفسه، حديث دائم عما تم فعله وما جرى تحقيقه، دولياً وإقليمياً، في مواجهة الجماعات الظلامية.

وعلى الرغم من ذلك، عندما تزهق الأرواح البريئة في برشلونة، ومدن عديدة حول العالم، يشعر الناس وكأن لا أحد قادر على حمايتهم من هذه القوى المتوحشة.

أين تكمن المعضلة إذاً؟

بداية، لا زالت عوامل التنشئة، وثقافة الغلو، تلعب دورها في تشييد صفوف من ذوي الميول المتطرفة، الذين لا يؤمنون بالآخر، ولا يحترمون خصوصياته، ويرون فيه عدواً وهدفاً للعدوان.

القوى الشريرة هذه لا تولد من فراغ، ولا تحمل مقومات الديمومة، دون وجود هؤلاء ذوي الميول المتطرفة، الذين نشأوا على التعصب وكراهية الآخر.

هذه القضية، كتب عنها الباحثون والكتاب ما لا يحصى من أبحاث ومؤلفات، إلا أن شيئاً مهماً لم يحدث حتى اليوم.

السبب بسيط للغاية. إنه يتجسد في زج الدين مما هو براء منه.

الأمهات والآباء لا يتحملون مسؤولية ما يحدث على هذا الصعيد، فليس هناك من أسرة في هذا الشرق، أو غيره من مناطق العالم، تربي أبناءها على الغلو والتطرف، أو ثقافة الكراهية.

هناك قوى أمر واقع، في مختلف دول العالم، لا ترى في الغلو ذنباً أو جنحة، هي من تزرع الخوف من الآخر، والريبة منه والشك فيه. وهنا تكمن المعضلة.

المجتمع الدولي عليه أن يتعامل مع هذا الأخطبوط العابر للقارات، وذلك خير من الاستغراق في التنظير، والمفاضلة بين الثقافات.

الكراهية ليست لها دين، ولا تنتمي لحضارات الشرق أو الغرب، ومن الخطأ إضاعة الوقت في أية مقاربة تنطلق من هذا الاعتقاد.

نعم، يُمكن تطوير مناهج تعليمية لزرع ثقافة المحبة، واحترام الآخر، بغض النظر عن عرقه ودينه وبلده. بيد أن هذا الجهد يبقى جهداً رديفاً، مساعداً وداعماً وحسب.

على صعيد آخر، يُمكن ملاحظة أن التعاون الدولي في مواجهة الإرهاب مازال منحصراً، حتى اليوم، في المستويات الرسمية، أو لنقل هو كذلك بالدرجة الأولى، أو الأساسية جداً.

على المستويات غير الرسمية، لا توجد مشروعات أو خطط رئيسية، دولية الطابع.

سلم الأولويات مقلوب تماماً. التعاون غير الرسمي يفترض أن يكون هو الأصل، كون جذر المشكلة يرتبط بالقدرة على إحلال ثقافة المحبة بدلاً من ثقافية الكراهية، وهذه مسؤولية القوى الأهلية، ومؤسسات المجتمع المدني، قبل أن تكون مسؤولية الأجهزة الحكومية.

التعاون الحكومي الدولي الراهن هو بالدرجة الأولى تعاون أمني. وهذه مسألة تدور حول نتائج ثقافة التطرف لا أصلها وجذرها. ومن هنا، فإن تعويل المجتمع الدولي على هذا المسار يمثل خطأ فادحاً في مقاربته للتطرف.

قوى المجتمع الأهلي، في مختلف دول العالم، عليها أن تبدأ من حيث هي، وفقاً لإمكانياتها المتاحة، وليس لها خيار دون ذلك، ولا يجوز لأحد أن ينتظر الغوث والمدد من أية جهة. وعليه أن يبدأ، ويستمر، بإمكاناته وقدراته الذاتية، مهما تواضعت.

إن نشر ثقافة المحبة، واحترام الآخر، والاقرار بحقه في التمايز والاختلاف، يُمثل صمام الأمان، الأول والأهم، لحماية المجتمعات في العالم أجمع. إنه السبيل الأمضى لتطويق قوى الظلامية والتخلف، المعادية للحضارة والتاريخ.

ورحم الله شهداء برشلونة، وكل شهداء الظلامية المتوحشة.