: آخر تحديث

الزعيم والإنسان: زهرة السجن    

سمير عطا الله

 لم تشذ قواعد الثورات عن بعضها بعضاً، في أي تاريخ وفي أي مكان: ما إن ينتصر الرفاق على الأعداء حتى يبدأوا بأعناق بعضهم بعضاً. أحمد بن بلة كان رمز الثورة على الاستعمار الفرنسي، وأول رئيس للجزائر المستقلة. والثورة غير الدولة. فما أراد أن يطبقه من أحلام بدا أفكاراً رومانسية معرقلة. انقلب عليه العقيد هواري بومدين ولكن بشيء، أو بكثير من الاحترام: بدل غياهب السجون وأضيق وأظلم الزنازين، منزل ضيق ناءٍ لا يسمح بالمجيء إليه إلا لأمه.


وأمه كانت أماً. أي كانت جميع الأمهات. وأحمد الذي كان بطلاً وطنياً، ثم رئيساً، أصبح الآن سجيناً. وفي وحدته أرادت أمه له شيئاً واحداً: تزوج يا بني يا أحمد.
كانت تلك أول جملة قالتها له بعدما سُمح لها بزيارته المرة الأولى بعد ثمانية أشهر من احتجازه. ظلت تكرر الجملة، وظل يكرر الجواب: كيف يمكن لسجين أن يعثر على رفيقة العمر بين هذه الجدران العالية؟ دع عنك. القدر سوف يقدم لك الحل.


ذات يوم سُمح للصحافية زهرة سلامي، من مجلة «الثورة الأفريقية»، مقابلة الرئيس السابق. وجاءت زهرة ومعها مدافع من الأسئلة. فهي تعتبر أن بن بلة متخاذل رجعي ومنحرف عن الثورة. لم يحاول أن يقنعها برؤيته، ولم تقنعه بثوريتها. لكن والدته أقنعته بالزواج من زهرة سلامي. وبعد عامين من الزواج توفيت الأم، لكن لم يُسمح لأول رؤساء الجزائر المستقلة حضور جنازتها. كأن تقول... قلوب الرفاق.
كانت زهرة سلامي تصغر زوجها بثلاثين عاماً. وقد قضت معه في السجن ثماني سنوات، توفي بعدها هواري بومدين وكان أول قرار لخلفه، الشاذلي بن جديد، العفو عن مؤسس الجمهورية. لكن السجين الطليق اختار الإقامة في سويسرا، قريباً من المنفى، بعيداً عن الحبس.


مثل بومدين، لم يرزق بن بلة بأبناء. لكنه وزهرة «تبنيا» صبياً وابنتين من الأطفال المختلفين، أو ذوي الحاجات الخاصة. ومع مجيء عبد العزيز بوتفليقة رئيساً عام 1990، عاد إلى البلاد للإقامة. سبقته زهرة إلى الحياة الأخرى، فلم يطق العيش من بعدها طويلاً. ذوت - فذوى، ولكن بعد مسيرة دامت 95 عاماً، منها 14 عاماً في السجن.
وضع بن بلة الدستور الأول للجزائر مبنياً على حكم الحزب الواحد، وبالتالي، الرجل الواحد. لكنه أمضى الأعوام الأخيرة من حياته يدعو إلى عودة الديمقراطية في الجزائر، ونادى بالعودة إلى الاعتدال في الإسلام، معتبراً أن كل تطرف خروج عليه. وانضمت إليه زهرة في هذا المسرى الحياتي، بعدما كانت قد حاولت، في البداية، مجادلته في أهمية الفكر «الماوي» وضرورة «الثورة الثقافية».
إلى اللقاء..

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد