: آخر تحديث

المواطن المثالي في العراق    

 قاسم الحلفي

فيما تركز الكثير من الاخبار والمنشورات في مواقع التواصل الاجتماعي يوميا على السلبيات والمغالطات والتجاوزات، فأصبحت تظهر صورة سوداوية للأوضاع في العراق، هناك الآلاف من الصفحات المشرقة الاخرى التي يسطرها مواطنون مثاليون آثروا على انفسهم ان يبذلوا ويضحوا ويخدموا شركاءهم في الوطن بصمت ودون ضجيج او منة او تسليط ضوء اعلامي، لانهم يعتبرونه واجب المواطنة الذي يحتم على الفرد خدمة بلده باي اسلوب يشاء ليساعد الدولة في بناء المجتمع الصحيح دون مقابل من خلال التكاتف والتآزر واشاعة روح التعاون والمحبة بين افراد المجتمع، ولم يقتصر الامر على عراقيي الداخل بل تعداه الى مشاركة اخوانهم في الخارج، بضع صور اخترناها لا تتعدى عدد اصابع اليد، تستحق ان يطلق على نموذجها المواطن المثالي.

المعاون الطبي


دأب المعاون الطبي علي حسين منذ عشرين عاماً على التضحية والبذل والعطاء وتقديم الخدمة للناس دون مقابل في مجال عمله، واضعا قول الله سبحانه وتعالى ( ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا) شعارا لعمله، ويقول "ابو حيدر" منذ افتتاحي لعيادتي وانا اداوي الفقراء والمتعففين والايتام مجانا.
ويؤكد ان هناك ظروفا صعبة مرت بمدينة الصدر منها ما حصل من اشتباكات مسلحة بعد استشهاد السيد محمد محمد صادق الصدر، فقمت بمعالجة المصابين من المتظاهرين في بيوتهم دون مقابل مع ما يشكله هذا العمل من خطورة حينها، وبعد سقوط النظام المباد واصلت معالجة المرضى والمصابين في وقت الاشتبكات مع الاميركان والاشتباكات المسلحة والقصف وفرض حظر للتجوال من الساعة الثامنة مساء.
واضاف ابو حيدر من خلال تعاملي مع المراجعين تعرفت على الفقراء والايتام والارامل فقمت وحسب حالة المريض بمعالجته اما مجانا او بنصف المبلغ او بسعر الجملة او اجور بسيطة جداً، مؤكدا ان هناك الكثير من الاصدقاء ثم لحقهم مرضى عائلات شهداء الحشد الشعبي الذين اعالجهم مجانا وكذلك كبار السن والمعوزون، كما اذهب لعدد منهم الى مساكنهم ولمرات عدة لضعف حالتهم المادية، مضيفا انه عالج العشرات مجانا خلال حصول التفجيرات الارهابية التي حصلت في مدينة الصدر موقعيا وفي عيادته وفي منازلهم، واستمر بمراجعة من يخرج من المستشفى لمرات للاطمئنان على صحته واتمام العمليات التي تتطلب ذهابه الى المستشفى مثل التداوي اليومي او رفع خيوط العملية 
وغيرها.


على سر أبيه


حيدر الابن الاكبر للمعاون الطبي علي حسين سار على خطى ابيه في تقديم العون للناس ويقول " انضممت الى مجموعة من الشباب يتجاوز عددهم العشرة اشخاص مهمتهم العمل على جمع المبالغ النقدية والعينية لمساعدة دور الايتام والمسنين  والارامل والفقراء، مؤكدا ان المساعدات تكون حسب حاجة المستفيد مثلا تقديم سلة غذائية او ملابس لتلاميذ المدارس او هدايا للاعياد او خلال تبدل الفصل الشتوي او الصيفي، مشيرا الى ان المجموعة تبحث وتسأل عن المستفيد حتى تتيقن من حاجته او تتصل بالجمعيات المختصة لمساعدة هذه الشريحة.
واضاف ان عملنا لم يقتصر على تقديم المساعدة بل تعداه الى ايصال الارملة الى الاكتفاء الذاتي من خلال فتح مشروع لها عبر شراء ماكنة خياطة للعمل عليها او محل مواد منزلية صغير او تنور خبز مع قناني غاز ، لتتمكن من سد حاجة عائلتها وتستغني عن مد اليد الى الغير، منوها على ان هذه الخطوات تنفذ منذ ثلاث سنوات ، لافتا الى ان الاموال تصل اليهم عبر موقعهم على الفيسبوك وعلاقاتهم الشخصية من اشخاص موثوقين ويثقون بعملهم الخيري هذا، مستدركا ان الكثير من العراقيين الذين يعيشون في الخارج يرسلون ايضا مساعدات عبر ذويهم بعد اطلاعهم على صفحتنا في الفيسبوك.
وبين حيدر علي ان هناك برنامجا عملا آخر لهم ما زال مستمرا يتضمن زيارات الى دور المسنين لتقديم وجبات غذائية او ملابس او تنظيم دورات تنمية لقابلياتهم ليصبحوا نافعين ومنتجين، وكذلك شراء كراس للمحتاجين من المعاقين وبعض الادوية، وادخال الفرحة والسرور لهم عبر اشعارهم بالاهتمام بهم.


صنبور الهواء


ويخبرنا محمد كامل صاحب محل ضلاعة (بنجرجي) انه قبل عام اتصل به احد اصدقائه بعد منتصف الليل وكان اطاران من سيارته معطوبين ودعاه الى انقاذه لان سيارته توقفت في الشارع، فقام بأخذ الاطارين وملأهما بالهواء وربطهما بالسيارة ليصل بها صديقه الى اهله.
ويضيف كامل: ومن هنا تولدت لدي فكرة ان اترك صنبور الهواء وخزان الهواء (الكومبريسر) خارج المحل ليستفيد منه اصحاب السيارات مجانا في الاوقات التي لا يكون فيها محل ضلاعة مفتوح وهي تقريبا من منتصف الليل الى الصباح، وبالفعل منذ عام واهالي منطقتي حي الاعلام ومن يمر بها يستفاد من الهواء ويملأ اطاراته بالهواء ليتداركوا توقف سياراتهم.
كما تستفاد منها سيارات القوات الامنية والاسعاف والاطفاء، وهي خدمة قليلة لكنها تزرع في النفس الرضا لان مساعدة المواطن لأخيه المواطن يجب ان تكون طوعية لا تحتاج الى فتوى دينية او ان يحث عليها احد، مشيرا الى ان بعض الزبائن يقوم تطوعا بتشغيل خزان الهواء (الكومبريسر) ليخزن الهواء ويستفاد منه اكثر عدد من المحتاجين له، كما اقوم بتصليح اطارات الكثير من السيارات القديمة دون اجر لان اغلبهم متعففون ويعملون داخل الأحياء وكذلك من لا يحمل نقودا، لان المساعدة بين ابناء البلد الواحد تزرع المحبة 
والتكاتف.


تنظيم السير


حالات الزخم المروري لم تعد تحصل في مركز بغداد او المناطق التجارية او الدينية بل في كل مكان نتيجة العدد الهائل من السيارات في العاصمة، فقد اصبحت اغلب تقاطعات المناطق السكنية بأطراف العاصمة تعاني من الزخم المروري وهي حالة لا يمكن لمديرية المرور العامة تغطيتها.
ففي تقاطع البدالة في حي الاعلام بجانب الكرخ يقف رجال مديرية الدفاع المدني في حي الاعلام كل مساء ليقوموا بتنظيم السير لتقاطع يعد حيويا يمر الى مناطق جنوب غرب بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، وبالرغم من ان رجال الاطفاء يمكثون في مواقعهم على اهبة الاستعداد الا انهم آثروا على انفسهم البقاء على اهبة الاستعداد في التقاطع المجاور لمركزهم ليساعدوا المواطنين بحركة السير ويجعلوا الطرق سالكة اذا ما تلقوا نداء بحصول حادث حريق ليصلوا بسرعة الى مكان الحادث.
احيانا اخرى يخرج رجال الاطفاء بواجب فيأتي الشاب احمد بدلا عنهم فيوقف دراجته النارية على جانب الشارع ويقف موزعا ابتساماته على اصحاب السيارات لينظم السير لمدد تمتد الى خمس ساعات يوميا، وعند سؤاله عن عمله يشير " اني اجد نفسي في هذا العمل، فما اجمل ان تكون فردا وتقدم الخير للمئات بل الالاف من خلال فك زخم السير وتنظيم الحركة، فالسيارات تحمل المريض والطالب الذاهب الى درسه الخصوصي وعائلات خارجة للتسوق او التنزه وسيارات القوات الامنية وسيارات الاسعاف والعائدين من محال عملهم يمرون وكلهم يحيونني ويشكرونني.
وفي تقاطع آخر خلف الحي الصناعي في البياع يشتد الزخم المروري بذروته قبيل الغروب ويقف يومياً الشاب سجاد ليصبح  رجل مرور المتطوع لينظم السير ويسهل الحركة ويخدم الناس، يقول ضاحكا" في الكثير من الاعمال يشعر الانسان بالتعب، الا ان وقوفي في هذا المكان يوميا لساعات طوال لا يشعرني الا بالصحة والراحة النفسية، مستدركا ان البلد يمر بظروف صعبة وعلى أي مواطن ان يتطوع لتقديم شيء مفيد للناس وليس على الدولة ان تتحمل كل شيء فالعراق خرج حديثا من حرب طاحنة هزم فيها الارهاب بامتياز، وعلينا جميعا ان نديم النصر بخطوات تبني البلد ولو كانت وقفة قصيرة في الحر تمنع الزخم المروري والعراك والمشاكل وتأخير مصالح الناس. 


الحالات الحرجة


أما "ابو لجين" فآثر على نفسه ايصال أي مريض او حالة حرجة الى المستشفى في الليل دون أي مقابل، ويشير الى انه لا يبالى اذا طرق بابه أي جار او شخص يسكن منطقته حتى وان لم تكن بينهم معرفة وفي أي ساعة متأخرة من الليل ليقوم بنقل المرضى الى مستشفى اليرموك او الطفل المركزي مجانا، ولا يكتفي بذلك بل يبقى مع المريض الى اتمام علاجه واعادته الى بيته او احالته الى الاقسام المختصة واعادة اهله الى منزلهم، ولما له من المام في الامور الطبية فإنه يوضح للأطباء حالة المريض والادوية التي تناولها، كما يهرع لمساعدة أي صديق او جار تتعطل سيارته في أي منطقة ليقوم بسحبها، ويقول اشعر بسعادة غامرة عندما اقدم عونا لأي مواطن عراقي لأننا شركاء في الوطن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد