: آخر تحديث

 الوطنية والمواطَنة

  زياد الدريس 

الحديث عن الوطن حديث منعش ورقيق ومحبب للنفس التي تعي نعمة الوطن وتدرك معنى أن يكون عندك وطنٌ آمن.


لكن الحديث عن الوطنية للأسف ليس بسلاسة الحديث عن الوطن نفسها، إذ هنا ستبرز الجدالات، الحادة أحياناً، عن المفاهيم والدلالات والحقوق والالتزامات (والمزايدات والمناقصات باسم الوطن!).

الفارق بين الحديث عن الوطن والحديث عن الوطنية مشابه كثيراً للفارق في الحديث بين الدين والتديّن، وسأورد سياقين للتشابه:

حين يعلن (أو يدّعي) الإنسان انتماءه الى الدين أو الوطن، فإنه بدلاً من أن ينشغل بإثبات انتمائه، ينشغل بإثبات أو نفي انتماء الآخرين الى هذا الدين أو هذا الوطن، وفحصهم وتمحيصهم تمهيداً لمنحهم صك الغفران!

ومثلما يستخدم البعض الدين لتخويف الناس وتصنيفهم وإقصائهم، يستخدم آخرون الوطن للتخويف والتصنيف والإقصاء، أولئك يستخدمون أداة التكفير، وهؤلاء يستخدمون أداة التخوين.

ما يجب أن نعززه بيننا حقاً، هو نشر ثقافة الخوف على الوطن وليس التخويف بالوطن.

••••

وفي نقاش السلوكيات الخاطئة التي تتم أثناء احتفالات اليوم الوطني، يتم الخلط بين الخطأ (الفوضوي) الناتج من سلوك فردي، وبين الخطأ الناتج من تصرف فردي تحت تأثير السلوك الجمعي مع الحشود (سيكولوجية الجماهير). فلهذه تفسير وحلول غير تفسير تلك وحلولها. وبسبب هذا القياس الخاطئ، يتم تجريم الوطنية بسبب أخطاء وخلل في المواطنة!

وهنا يلزم التمييز بين مفهومين متداخلين، هما: الوطنية والمواطنة، وقد وضعت تعريفاً تمييزياً للمفهومين في كتابي: لا إكراه في الوطنية (٢٠١٣م)، أضعهما هنا مجدداً:

«الوطنية تعني المشاعر العاطفية والوجدانية التي تتكون عند الفرد تجاه الوطن أو الأرض التي يحبها.

أما المواطنة فهي الممارسات والسلوكيات والأفعال التي يجب على الفرد أداؤها في صورة منسجمة مع قوانين الوطن وأنظمته وأمنه وسلامته وحمايته.

وهذا، للأسف، يعني أنه ليس بالضرورة أن كل وطني محب لوطنه هو دائماً مواطن صالح إيجابي مفيد لوطنه.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن الوطنية من حيث هي نبتة وجدانية مشاعرية، لا يمكن استزراعها بالإكراه ولا قطف ثمارها بالقوة، بل هي تنبت عندما تتوافر لها التربة الخصبة والسقيا العذبة، وعندما تتم حمايتها من الآفات والتلوثات، القومية والحزبية والقبلية. أما المواطنة من حيث هي سلوك وممارسة وعمل ومساهمة وتنمية وفعالية، فهي ملزِمة لكل من سكن هذا الوطن.

والسؤال: هل نحن الآن في حاجة أكثر إلى (الوطني المحب) أم إلى (المواطن المنتج)؟ المؤكد أننا نتمنى ونحلم بوجود الاثنين معاً في آن وإناء واحد.
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد