: آخر تحديث

إيران والعقوبات الأميركية

 محمد العسومي

في الأسبوع الماضي، ومع اقتراب موعد تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران، والتي تشمل أساساً قطاعي الطاقة والبنوك، بدأت أسعار النفط في الانحدار لتنخفض من 80 دولاراً للبرميل إلى 72.5 دولار، أي بنسبة انخفاض بلغت 9%، وذلك برغم توازن العرض والطلب، مما أثار الاستغراب لدى المحللين. إلا أن هذه الغرابة سرعان ما تبددت مع إعلان الإدارة الأميركية نهاية الأسبوع أنها استثنت 8 دول من هذه العقوبات بصورة مؤقتة! وهذه الدول المستثناة من العقوبات هي المستورد الأساسي للنفط الإيراني، إذ تستورد ما يقارب 70% من صادرات النفط الإيرانية، مما يعني باختصار أن لا عقوبات صارمة على صادرات النفط من الناحية العملية. رد الفعل الإيراني جاء سريعاً، حيث قال الرئيس الإيراني روحاني إن بلاده سوف تخرق هذه العقوبات.


والغريب أن تلك الإعفاءات جاءت بعد أن أعلنت سبع من الدول المشمولة بالاستثناء التزامها بالعقوبات الأميركية، فاليابان وكوريا الجنوبية خفضتا كثيراً من وارداتهما من النفط الإيراني وذلك عبر استبداله بإمدادات أخرى بكل سهولة، كما أن شركات تكرير النفط الهندية قامت بدورها بتخفيض وارداتها من إيران، بل إنه حتى بعض الدول من خارج مجموعة الثماني المستثناة، كروسيا، اتخذت إجراءات عملية لوقف التعامل مع إيران في مجال الطاقة، حيث أعلنت شركة «زاروبيج نفت» الروسية المملوكة للدولة الروسية على سبيل المثال أنها قررت الانسحاب من مشروعين لتطوير حقول نفطية إيرانية بتكلفة 674 مليون دولار. كما أن العراق الذي يصنف حليفاً سياسياً لإيران، قال إنه يستعد لإيقاف صادرات نفط كركوك لإيران بسبب العقوبات الأميركية.


وحدهما الهند وتركيا طلبتا بصورة رسمية استثناءهما من العقوبات، ومع ذلك قررت شركاتهما الالتزام بهذه العقوبات، فشركة «أفيسي بترول» التركية قررت الامتناع عن تزويد الطائرات الإيرانية بالوقود من مطار اسطنبول، وقبل ذلك التزمت شركات الاتحاد الأوروبي بالعقوبات، فانسحبت الواحدة منها تلو الأخرى من السوق الإيراني، مما يعني أن لا أحد في العالم يبدو مستعداً للتضحية بمصالحه من أجل دولة مارقة.
ربما ترمي تلك الاستثناءات الأميركية المفاجئة إلى إعطاء فسحة للنظام الإيراني لإعادة النظر في مواقفه، فالعقوبات تهدف أساساً إلى وقف دعم إيران للمنظمات الإرهابية، وإنهاء تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى، ووقف العمليات الإرهابية لنظام الملالي، وكان آخرها في الدنمارك التي سحبت سفيرها من طهران الأسبوع الماضي. 
هذا مع العلم بأن استثناء أهم مستوردي النفط الإيراني فتح نافذة ليتنفس منها نظام طهران ومنحه فترة للتأمل واتخاذ قراره؛ إما للتصعيد أو لمراجعة مواقفه السابقة ووقف التصادم مع المجتمع الدولي. 
فهل يفتح ذلك المجالَ للمساومات، على اعتبار أن التبرير الذي قدمته الإدارة الأميركية لهذه الاستثناءات قام على حجج ضعيفة، حيث قالت إن ذلك سيكون بصورة مؤقتة إلى حين توازن سوق النفط؟! 
الحقيقة أن سوق النفط متوازن إلى حد بعيد، وذلك بعد أن رفعت كلٌ من روسيا والسعودية إنتاجهما النفطي ليتخطى 11 مليون برميل يومياً لكل منهما، اللهم إلا إذا كان مقصود الإدارة هو «توازن المتوازن»، على طريقة «نفي النفي» في العلوم الفلسفية!
بالتأكيد هناك عقوبات أخرى ستكون مؤثرة ومؤلمة، إلا أنها لن تكون قاصمة لظهر النظام، كوقف تعاملات إيران وشركاتها من خلال نظام «سويفت»

الدولي للتحويلات المالية، ووقف الاستثمارات الأجنبية، بما فيها النفطية وبناء السفن والنقل البحري، إلا أنها لا ترتقى إلى مستوى تأثيرات قطاع النفط الذي يشكل أكثر من 60% من صادرات إيران ونحو 40% من عائداتها الحكومية.
لكن إلى أي مدى زمني ستكون هذه الاستثناءات «مؤقتة»؟ وهل هناك بدائل لم يعلن عنها حتى الآن؟ كل ذلك سيتضح قريباً، وسيجد له انعكاسات خطيرة على مجمل الأوضاع في المنطقة. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد