: آخر تحديث

الأردن و«استثمار» الاستقرار الإقليمي

  عدنان كريمة

تتسع هوة الخلاف بين الأردن وصندوق النقد الدولي حول شروط تنفيذ برامج الإصلاح المالي والاقتصادي، وقد أعلن الصندوق موقفه برفض تعديلات مجلس النواب على مشروع الضريبة الجديد، مؤكداً أنها «أفرغته من مضمونه»، بينما تتمسك حكومة عمر الرزاز بحق النواب في التشريع بشكل يتلاءم مع خصوصية معيشة الشعب الأردني وظروفه، رافضة في الوقت نفسه أن يفرض الصندوق عليها «ماذا نقبل وماذا لا نقبل».


وبموجب الاتفاق الموقع بين الطرفين في أغسطس 2016، يحصل الأردن على قرض بقيمة 723 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، ويرتبط الصرف بمدى التزام الحكومة بتنفيذ شروط الصندوق، وأهمها: رفع الدعم عن بعض السلع، وتعديل قانون الضريبة لزيادة الإيرادات وتخفيض العجز المالي، وتقليص نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من 96 في المئة إلى 77 في المئة. وقد تأجل تنفيذ القرض مرات عدة، بسبب رفض الأردن تنفيذ برامج الإصلاح المالي والاقتصادي، وفق تلك الشروط. وهذا الأمر يحصل لأول مرة منذ نحو 29 عاماً، عندما بدأت العلاقة مع الصندوق عام 1989، وهو العام الذي حصل فيه تدهور في سعر صرف الدينار مقابل الدولار الأميركي، وكانت نتائج تلك التجربة، سلبية جداً ومخيبة لآمال الأردنيين، بمزيد من الانهيار لسعر الدينار الذي كان يساوي نحو 3 دولارات، انخفض تدريجياً إلى 1,5 دولار في العام 1990، واستمر مستقراً بهامش ضيق، نحو ثلاثة عقود، بسعر يبلغ حالياً 1,4 دولار. ويتخوف الأردنيون من موجة ارتفاع أسعار جديدة وبلوغ التضخم مستويات مرتفعة، تنعكس تراجعاً بقوة الدينار الشرائية، لا سيما في ظل تراكم الدين العام الذي تجاوز 39 مليار دولار، وعدم القدرة على الوفاء بالتزامات الديون الخارجية للدول المانحة. مع العلم أن برامج الصندوق التي طبقت في السنوات الماضية، لم تحقق أهدافها المرجوة، فالبطالة ارتفعت إلى 18,5 في المئة، ونسبة الفقر تزيد على 14 في المئة. كذلك معدلات النمو تراجعت إلى أقل من 2,5 في المئة، لأنه لم تتوافر في هذه البرامج سياسات اقتصادية ذات بعد تنموي (وفق دراسة صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية).


على الرغم من أن الأردن يقع في منطقة «عالية المخاطر»، وتحمل الكثير من المفاجآت السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فقد تمكن بكل مرونة، من تجاوز بعض النتائج السلبية، وذلك بفضل عوامل عدة، أهمها المساعدات الخارجية الاستثنائية التي تلقاها من الدول الشقيقة والصديقة، ولكنه في الوقت نفسه تحمل أعباء تلك النتائج التي ساهمت ببطء نمو اقتصاده، لاسيما مع الزيادة الكبيرة في عدد سكانه الذي بلغ نحو سبعة ملايين نسمة، منهم مليون أردني من المغتربين في الخارج. ويرتفع هذا العدد إلى نحو 11 مليون نسمة، نتيجة إضافة 1,4 مليون لاجئ سوري، ونصف مليون عراقي، فضلاً عن مليوني لاجئ فلسطيني من غير الأردنيين، وكذلك 45 ألف يمني و35 ألف ليبي، علاوة على إعداد أخرى من أقطار عربية وإسلامية. وفق البيانات الرسمية، يعاني الأردن منذ سنوات عدة عجزاً مالياً في موازناته، وقد بلغ في موازنة العام 2017 نحو 827 مليون دينار (1,15 مليار دولار)، مع احتساب قيمة المنح والمساعدات الخارجية والمقدرة بنحو 777 مليون دينار، موزعة بين 385 مليوناً من الدول المانحة، وأهمها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و392 مليوناً من الدول الخليجية، وهي آخر دفعة من أصل قيمة المنحة البالغة 3,6 مليار دولار والتي تعهدت بها ثلاث دول (السعودية، الكويت، والإمارات)، أما موازنة العام الحالي فقد حملت عجزاً بقيمة 973 مليون دينار.


وفي أكتوبر الماضي، وقّع الأردن مع الدول الخليجية الثلاث اتفاقيات يحصل بموجبها على منحة جديدة قيمتها نحو 2,5 مليار دولار، منها مليار دولار لدعم الموازنة لمدة خمس سنوات، ووديعة بقيمة 1,16 مليار دولار لدعم احتياطي البنك المركزي. وقد ساعد هذا الدعم على تقليص عجز موازنة العام 2019 إلى نحو 543 مليون دينار. وهنا تبرز أهمية التصنيف الائتماني الصادر عن وكالة «ستاندرد آند بورز» بتثبيت تصنيف الأردن عند مستوى يعكس وجهة نظر مستقبلية «سلبية»، ليسلط الضوء على حساسية الظروف الإقليمية التي تواجه المملكة، وتداعياتها على المالية العامة والقطاع الخارجي. وحذر تقرير الوكالة من احتمال تخفيض التصنيف في حال تفاقم عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري وانخفاض النمو الحقيقي إلى أقل من المستويات المستهدفة، مشيراً في الوقت نفسه إلى إمكانية رفع التصنيف إلى «مستقر» في حال تحسن الوضع الإقليمي، وقيام الحكومة بتنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية، تمكن من استدامة النمو وتقليص الأعباء المالية العامة.
ولذلك يراهن الأردن على «استثمار» استقرار إقليمي، وهو يتطلع إلى استعادة الثقة به لكونه «وجهة آمنة ومستقرة لإقامة الاستثمارات»، خصوصاً أن الحكومة تركز على خطط لتنفيذ سلسلة مشاريع كبيرة باستثمار مشترك بين القطاعين العام والخاص، وهناك استثمارات خليجية في القطاعات الإنتاجية والخدمية كافة، يمكن مضاعفتها، لتساهم بدعم الاقتصاد الوطني.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد