: آخر تحديث

«بوش الأب».. زعيم نادر

  جيمس بيكر

لم يسبق لنا أبداً – نحن الاثنين – الالتقاء برجل مذهل مثل جورج بوش الأب. ولعلنا لن نلتقيه أبداً مرة أخرى. وذلك لأنه كشخصية عامة وكشخص، أسس لمستوى عال جداً من التميز ومذهل في مداه. فكزعيم، قاد جورج بوش الأب العالم بحنكة ومهارة كبيرتين عبر نهاية سلمية للحرب الباردة بعد أن كان يقف على شفا دمار نووي على مدى أربعة عقود. وقد فعل ذلك بحكمة رجل ملم بالشؤون الخارجية يقدم بلده بنكران ذات على نفسه وعلى حزبه. ولهذا، احترمه العالم – أعداء وحلفاء على حد سواء – كزعيم يتحلى بالتواضع، ولكن أيضاً بعزم وتصميم من فولاذ. وقد كان فخوراً ومعتزاً بقيم بلدنا، وبراجماتياً في الدفع بمصالحه. والأهم من ذلك كله، كان يفهم المكانة الفريدة التي تتبوأها بلدنا في شؤون العالم ورعى المؤسسات والتحالفات التي كانت تدعمه. 


وكسياسي، كان جورج بوش الأب يعمل على جسر الانقسامات ويبني التوافقات بخصوص قوانين متنوعة ما زالت تفيد مواطنينا اليوم، مثل قانون «الأميركيين من ذوي الإعاقات» والقانون الذي أنهى إلى حد كبير الأمطار الحمضية. ويظل بوش نموذجاً لمجموعة آخذة في التقلص من قيادات تمثل الوسط المسؤول من الطيف السياسي الأميركي، حيث تُعقد الاتفاقات التي تدوم فترة أطول من الولاية الرئاسية. 


وكموظف عام، لبى نداء الواجب أول مرة في الحرب العالمية الثانية، حيث قام بـ58 مهمة حربية وأُسقطت طائرته فوق المحيط الهادي. وبعد الخدمة العسكرية، شغل مناصب ذات مسؤولية متزايدة ممثلاً بلده، كسفير في الأمم المتحدة، وسفير إلى الصين، ومدير لوكالة الاستخبارات المركزية، ونائب للرئيس. وكان يتبع يومياً نصيحة جون إف. كينيدي: «لا تسأل ما يمكن لبلدك أن يفعله من أجلك، بل اسأل ما يمكنك أن تفعله من أجل بلدك». وكصديق، كان جورج بوش الأب شخصاً لا نظير له، حاضراً دائماً في السراء والضراء. فعندما توفيت زوجة جيمس بيكر الأولى جراء السرطان في سن الثامنة والثلاثين، وقف جورج وباربرا بوش إلى جانب صديقهما في هذه المحنة وساعداه على الخروج من الحزن واليأس. فكانا له خير السند وخير الصديق.
وكزوج وأب وجد وجد أكبر، كان يستمتع بمسؤوليات وأفراح العائلة. فبعد انتخابه نائباً للرئيس، قال بوش إن أكبر إنجاز له هو حقيقة أن أطفاله ما زالوا يستمتعون بالمجيء إلى البيت. لقد كانوا يعتزون بتلك اللحظات التي يقضونها معاً لأن بوش كان وزع الحب بدلاً من الأوامر. ولعل أهم الدروس بالنسبة لعائلته كانت واضحة في الحياة النموذجية التي عاشها وزوجته باربرا خلال الـ73 عاما التي عاشاها معاً. ولكن جورج بوش الأب كان أيضاً منافساً شرساً – في الرياضة، وفي السياسة، وفي الحياة. لطفه وأدبه كانا يغطيان ويحجبان روحاً تنافسية ألهمت صديقَه وابنَه. والراجح أنه ما كان لينجح بدونها. 
وفي الوقت نفسه، كان يرى أيضاً الخير في الناس - حتى خصومه - والأمل إزاء المحن والشدائد. كيف لا وهو القائل: «لا مشكلة بشرية أكبر وأصعب من أن تحل ويُتغلب عليها من خلال الذكاء والإبداع، والجهد البشري، وأمل الروح الإنسانية الموصول». ولا شك في أننا اليوم في حاجة لتفاؤل مماثل في وقت بات يُستبدل فيه التعاون من أجل حل المشكلات، في كثير من الأحيان، بلعبة تبادل اتهامات يطبعها الحقد. 


جورج بوش الأب عاش حياة ملأى على نحو مذهل كزعيم، وسياسي، وموظف عام، وبطل، وصديق، ورجل عائلة. لقد فعل كل الأشياء تقريباً التي يمكن أن يقوم بها شخص في حياته، بما في ذلك القفز بمظلة من الطائرة في سن التسعين. وكان يبرع في معظمها. لقد بلغ قمة السلطة عبر عيش القيم التي تميز الفتى الكشاف: الإخلاص، الأمانة، التواضع، والاحترام. 
وفي عالم اليوم الذي بات يطغى عليه التشكيك في كل شيء، قد تبدو هذه الخصال قديمة ومتجاوَزة بالنسبة لبعض الأشخاص ومن السهل التقليل من شأنها. ولكن المتشككين مخطئون. فهي ليست قديمة ومتجاوزة. بل خالدة ودائمة. فقبل أكثر من 2300 سنة، رأى أرسطو أن خصال الحكمة، والاعتدال، والشجاعة، والعدالة أساسية بالنسبة للبشر. خصال تحلى بها جورج بوش الأب جميعاً. وجعل العالم مكاناً أفضل بفضل تمسكه بها. 
لقد كان جورج بوش الأب إنساناً رائعاً ذا إيمان كبير بالله وكان يؤمن بأن ثمة عظمة في كل واحد منا. ولهذا، فإن مناسبة وفاته ينبغي أن تشكّل تذكيراً لنا جميعا بأننا نستطيع، عبر عيش الحياة إلى أقصى درجاتها، واستحضار المصلحة العامة، والعمل معاً، بناء اتحاد أكثر مثالية في الولايات المتحدة، وعالم أكثر سلمية في الخارج.


جيب بوش: حاكم سابق لولاية فلوريدا، وابن جورج بوش الأب
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد