: آخر تحديث

معضلة الفقر والإرهاب

عزة هاشم

عند تناول جذور الإرهاب ومسبباته يقفز دوماً الفقر إلى واجهة النقاش، وتبدو العديد من الرؤى التي تربط بين الفقر والإرهاب منطقية، ومتداولة على نطاق واسع، ولها مقبولية في أذهان العامة والمتخصصين على حد سواء، بل أحياناً يتم التعامل معها بوصفها واحدة من المسلمات التي تحرك إجراءات وتدابير المواجهة والتدابير الاستباقية لمكافحة الإرهاب.

ورغم ذلك فإن الدراسات السابقة التي أجريت لاختبار العلاقة بين الفقر والإرهاب لم تتوصل إلى نتائج حاسمة لهذه العلاقة، بل إن معظمها توصل إلى نفي العلاقة الارتباطية بين الفقر والإرهاب، واتفقت نتائجها في المجمل على أن معظم العناصر الإرهابية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة ومنها من ينتمون إلى عائلات ثرية، بل عندما قام بيازا في العام 2006 بإجراء دراسة قارن فيها بين حوادث الإرهاب في جميع أنحاء العالم والنسب المئوية لسكان العالم تحت خط الفقر، توصل إلى أن عدد الحوادث الإرهابية العابرة للحدود تذبذب إلى حد كبير خلال هذه السنوات بينما ظل معدل الفقر في العالم في غالبية الأحوال ثابتاً، ومن ثم، يشير عدم التزامن بين هذين الاتجاهين إلى أنه لا توجد علاقة ذات مغزى بين التغير في نسبة سكان العالم تحت خط الفقر وانتشار الإرهاب.

ولعل الإصرار على الربط بين الفقر والإرهاب هو ما دفع الباحثين إلى محاولة البحث عن مدخل جديد لدراسة العلاقة، أو مقاربة مختلفة للفهم ممثلة في محاولة دراسة الفقر من الوجهة الكلية بتتبع تطور اقتصادات الدول ومتوسط دخول الأفراد فيها وربطه بالإرهاب. ولكن نتائج هذا التناول أيضاً نفت العلاقة، فنجد مثلاً نتائج مؤشر الإرهاب العالمي ترجح عدم وجود علاقة إحصائية دالة بين الفقر والمستوى الاقتصادي والتعليمي للإرهابيين. بل إن المقارنة التي قام بها الكثير من الباحثين بين الدول التي تتصدر المؤشر العالمي للإرهاب والدول الأكثر فقراً على مستوى العالم لم تجد أي تداخل. وبالتالي فإذا كانت هناك علاقة بين الإرهاب والفقر فمن المنطقي أن يحدث تداخل بين التصنيفين، وأن تكون الدول الأكثر فقراً هي نفسها الأكثر تضرراً من الإرهاب، إلا أن هذا لم يحدث، وكانت الصومال هي الدولة الوحيدة التي صنفت على الدوام في هاتين القائمتين.

ورغم ما تشير إليه هذه النتائج من ضرورة عدم الإفراط في الاعتماد على عامل الفقر في تحليل جذور ومسببات الإرهاب، أو عند وضع استراتيجيات مكافحة الإرهاب، إلا أنه لا يصح تجاهله تماماً.

وقد تكون الدراسة في حاجة إلى رؤية أكثر عمقاً من النظر إلى الفقر في صورته التقليدية والظاهرية ممثلة في تراجع الدخول الفردية. بل قد يكون تناول هذا الطرح بالنظر إلى السياق الاجتماعي أكثر جدوى، بخاصة في ظل التعريف التقليدي للفقر والمعايير التي تتسم بالعمومية المخلة في المقارنة بين الأفراد. ولعلنا في حاجة أيضاً إلى فهم أوسع لمفهوم الفقر، بخاصة في ظل ما توصل إليه المحللون الذين قاموا بدراسة اتجاهات الفقر العالمي وعلاقتها بموجات الإرهاب على مستوى العالم، وتوصلوا إلى وجود تلازم في كثير من الأحيان بين التغيرات الكلية التي تحدث في معدلات الفقر حول العالم وتصاعد موجات الإرهاب.

يجب أيضاً وضع الارتباط بين الخلفية والاجتماعية والاقتصادية ودور الفرد داخل هرم التنظيم الإرهابي في الاعتبار، وهو مجال ما زال فقيراً ولم يخضع للدراسة الكافية. فلا شك في أن قائد التنظيم والممول والعنصر النشط والعنصر الهامشي جميعهم لا ينتمون إلى خلفية اجتماعية واقتصادية واحدة، وبينهم الكثير من الاختلافات الجوهرية التي يصعب بالنظر لها بناء أي أحكام قاطعة عامة ازائهم. بل اتجه علماء النفس إلى محاولة الربط بين دور العنصر الإرهابي داخل التنظيم وسمات شخصيته ونمط تفكيره وتوصلوا إلى الكثير من التباينات الجوهرية في هذا الصدد.

وتعد معضلة العلاقة بين الفقر والإرهاب واحدة من معضلات عدة لم تجد طريقها للحل، فلم يستطع العلماء حتى الآن الجزم بوجود علاقة بين المستوى التعليمي والإرهاب، أو عوامل أخرى مثل النشأة والظروف الاجتماعية والسياسية وغيرها. ويعود هذا الارتباك إلى عزل كل عامل من هذه العوامل عن سياقه واخضاعه للدراسة مع تجاهل الفروق الفردية، والافراط في الاعتماد على الرؤى الشمولية في التحليل الخاص بالظاهرة، وتجاهل أن الإرهاب يأتي محصلة الكثير من العوامل المهيئة والتي تتشابك بصورة معقدة وتتباين بتباين الأشخاص. ولعل أبرز هذه العوامل ممثل الاستعداد الشخصي وهو أحد العوامل والمحركات النفسية الحاسمة التي يتوقف عليها درجة تأثر الفرد بالظروف الخارجية من عدمه.

إن الفهم المشوش لجذور الإرهاب ومسبباته تنجم عنه أيضاً إجراءات مواجهة غير فاعلة، خصوصاً أن هذا الفهم يمثل أساس البناء الذي يجب أن يتم بصورة صحيحة حتي يتم الاستناد إليه في صياغة استراتيجيات فاعلة لمكافحة الإرهاب، وتبني رؤى استباقية تحول دون إهدار الموارد والأموال والجهد في حرب محدودة الجدوى. ويذكر أن الطرح السابق لا ينفي أهمية المقاربات الديموغرافية في فهم الإرهاب وإنما يرجح ضرورة عدم فصلها عن سواها من متغيرات قد يكون لها تأثيرها المحوري في تحول الفرد العادي إلى عنصر إرهابي، مع محاولة تطوير نماذج تتضمن مختلف مجالات الدراسة تحاول طرح رؤى تكاملية مغاير لديناميات صناعة الإرهابي.

* باحثة مصرية في علم النفس السياسي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد