: آخر تحديث

أهلاً بـ«الحَبر الأعظم» في دار زايد

 حمد الكعبي

 العام 1960.. طبيبان أميركيان مسيحيان يستضيفهما حاكم أبوظبي، لبناء مستشفى في العين. أتخيّل أن ذلك كان خبراً في صحيفة أميركية، ربما تحدثت عن صعوبة تقبّل مجتمع قبلي متدين، لرجل وزوجته جاءا من قارة بعيدة، بثقافة وديانة مختلفتين.

ذلك ما كان، وما سيكون سيذكره التاريخ شاهداً على عبقرية المؤسس الشيخ زايد، رحمه الله، ووعيه المبكر للانفتاح على الآخر وقبوله، وعلى جذور التسامح في المجتمع الإماراتي، فالطبيبة ماريان كينيدي، وزوجها الطبيب بورويل بات كينيدي أسّسا مستشفى الواحة في مبنى مشيد من الطين، وعاشا سنواتٍ طويلةٍ، بين أهالي العين، ووجدا أنّهم يعبرون عن جوهر الإسلام في التآخي مع المسيحيين، واحترام عبادتهم وشعائرهم، فتبادل الناس معهم الود، وأظهروا ما في الإسلام من سماحة، وما فيهم من سجايا العرب في تقاليد الضيافة.


كان ذلك، قبل تأسيس الاتحاد، ولم يُعرف عن الإماراتيين بعده، إلا كل حفاوة وترحيب بأتباع الديانات والمعتقدات، فالكنائس والمعابد، تنتشر على أرضنا منذ عقود طويلة، وممارسة الشعائر والعبادات الدينية لا تحظى بضمانات قانونية وحسب، وإنما بقبول اجتماعي، يكفله الاعتدال، والقيم العربية الأصيلة.
ولا يخفى أن الإمارات أصبحت في السنوات الأخيرة وجهة للعلماء والمفكرين ورجال الدين، بعدما وفرت الدولة أكثر من منصة سنوية لحوار الأديان، وإرساء الوسطية، ونبذ التنافر والتصادم بين المعتقدات، وآخرها منتدى «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» بحضور أكثر من 1600 شخصية، سعياً إلى «حلف فضول جديد»، إقراراً بالتعددية، والحرية الدينية.


من هنا، تكتسب زيارة بابا الفاتيكان فرانسيس إلى أبوظبي في فبراير المقبل أهمية تاريخية، فهي الأولى للخليج العربي، وتمثل تقديراً للتنوع الديني في الدولة، كما أن رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، أثنى العام الماضي على «السياسة المنفتحة والمتسامحة التي تنتهجها الإمارات» واعتبرها «مثالاً يحتذى في ترسيخ قيم التعايش، وحرية ممارسة الأديان» بين المقيمين المسيحيين في الدولة، وغالبيتهم من الكاثوليك، ثم البروتستانت، والأرثوذكس الشرقيين.
«الحَبْر الأعظم» يحل ضيفاً على بلادنا، بدعوة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحضر «ملتقى الحوار العالمي بين الأديان، حول الأخوة الإنسانية»، ودائماً تحظى الجولات الخارجية لبابا الفاتيكان باهتمام إعلامي، وذلك يشكل فرصة للتعريف أكثر فأكثر بتجربتنا المتميزة في حوار الأديان، والتعايش في أرقى تجلياته وصوره بين أكثر من مئتي جنسية.
أتمنى أن تتاح لقداسة البابا زيارة مستشفى الواحة، بمبناه الجديد، وتجهيزاته الطبية الحديثة، ليجد قصة الطبيبين كينيدي في كل أقسامه وغرفه، ويرى معه العالم ما يحدث في الإمارات من نموذج للقبول والتعايش والسلام. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد