: آخر تحديث

القوة الذكية لدولة الإمارات

 وحيد عبد المجيد

قليلة، بل نادرة، هي الدول التي تحقق إنجازات مستمرة لا تتوقف. وتعد دولة الإمارات إحدى هذه الدول التي لا يحل يومها الوطني في كل عام إلا وقد حققت إنجازاً كبيراً جديداً أو أكثر.
كان تأسيس الدولة بحد ذاته إنجازاً ضخماً جمع سبع إمارات في اتحاد أقيم على رؤية واضحة أتاحت بناء دولة صارت هي الأكثر نجاحاً في منطقتها. وقد واجه تأسيس دولة الإمارات تحديين كبيرين: أولهما أنها بُنيت على أساس جمع عدة كيانات عربية، في لحظة خيم فيها الفشل على المحاولات العربية الأخرى في هذا الاتجاه. لم تكن آلام فشل تجربة الوحدة المصرية السورية (1958-1961)، ثم محاولات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963، قد خفت عندما أُعلن تأسيس اتحاد الإمارات العربية، بالتزامن مع محاولة أخرى فشلت في مهدها لإقامة وحدة بين مصر وليبيا والسودان.
أما التحدي الثاني فهو إثبات أن النظام الاتحادي يجمع ولا يُفرق، بخلاف ما ذهب إليه الاتجاه السائد في العالم العربي آنذاك. وكانت بعض الأوساط العربية تنظر بعين الشك إلى الدعوات المتعلقة بإعادة بناء النظام السياسي العربي على أساس «فيدرالي».


ومثلما نجحت تجربة دولة الإمارات في تقديم النموذج الناجح الوحيد في مجال جمع شمل العرب، أثبتت قصور النظرة السلبية إلى مفهوم «الفيدرالية». وعندما نتأمل البون شاسعاً اليوم بين حال دولة الإمارات وأوضاع بلدان عربية أصابها التفكك، يتبين لنا مدى حكمة الخيار الاتحادي الذي أُقيمت على أساسه.
وليست دولة الإمارات وحيدة في نظامها السياسي الذي يقوم على أساس «فيدرالي». بعض أهم الدول الكبرى في عالمنا أخذت بهذا النظام منذ أن اهتدى إليه مؤسسو الولايات المتحدة الأميركية حين أدركوا أنه أفضل، سواء من النظام التعاهدي «الكونفيدرالي» الذي يجمع دولاً تبقى مستقلة رسمياً، أو من النظام المركزي الذي لا يترك أية مساحة لاستقلال ذاتي في وحداته. روسيا أيضاً دولة اتحادية، وكذلك كندا وأستراليا، وبعض الدول الأوروبية الناجحة، مثل ألمانيا، والنمسا، وبلجيكا، وأكبر الدول في الأميركيتين مثل المكسيك، والبرازيل، والأرجنتين، وفي آسيا أيضاً مثل الهند وماليزيا.
لكن ما يميز تجربة دولة الإمارات على هذا الصعيد أن معظم الدول التي أخذت بالنظام الفيدرالي ذات مساحات هائلة، وكُتل سكانية ضخمة. لذا يسهل نجاح هذا النظام فيها. أما نجاحه في دولة الإمارات، فاعتمد على وجود قيادة حكيمة، ورؤية واضحة منذ اللحظة الأولى، الأمر الذي جعلها الدولة الأكثر قدرة على تقديم نموذج إيجابي سواء في بنائها الداخلي، أو في إدارة علاقاتها الخارجية، أو في الالتزام بمبادئ وقواعد أتاحت لها قدرة على أداء دور عربي متوازن تزداد أهميته كلما تدهورت الأوضاع في منطقتنا.


وتضمنت تجربة دولة الإمارات، في هذا السياق، العناصر الأساسية لمفهوم القوة الناعمة قبل أن يطرحه جوزيف ناي عام 1990 ويشيع استخدامه بعد ذلك. فقد اعتمدت على قوة دبلوماسيتها القائمة على مبادئ أخلاقية ورؤية سياسية حكيمة، وخططها لرفع مستوى الحياة وتحقيق إنجازات تنموية يفيض خيرها على دول شقيقة وصديقة، وبرامج للتطوير الثقافي والتقني، الأمر الذي أتاح لها موقعاً في صدارة المقاييس والمؤشرات الأساسية للتقدم في معظم المجالات على الصعيد العالمي. ولم يكن تمكين حاملي جواز سفرها من دخول 167 دولة من دون تأشيرة مسبقة، إذ أصبح أقوى جوازات السفر في العالم، إلا إضافة جديدة إلى سجل حافل بالإنجازات.


ونظراً لاعتماد دولة الإمارات على رؤية واضحة، لم تتأخر في دخول عصر القوة الذكية التي تبلور مفهومها في منتصف العقد الماضي، عندما أصبح ضرورياً استخدام القوة الصلبة «العسكرية» إلى جانب القوة الناعمة. وهذا جوهر مفهوم القوة الذكية التي تعني الجمع بين القوتين، الناعمة والصلبة، في إطار استراتيجية محددة، والقدرة على مزجهما بطريقة تحقق أهداف الدولة.
وقد أتاحت الإنجازات المتوالية لدولة الإمارات القدرة على دخول عصر القوة الذكية عندما ازدادت الأخطار التي تهدد العرب عموماً، خصوصاً منذ أن اشتعلت الأوضاع في المنطقة مطلع العقد الجاري، حيث أصبح دورها في مواجهة الإرهاب بكل خلفياته العقائدية والمذهبية، والتصدي للتهديدات الجديدة، أحد أهم خطوط الدفاع عن العرب حالياً.

  


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد