قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  عبد الرحمن شلقم 

ستة ملايين مسلم في فرنسا. بحيرة من البشر جاءوا إلى البلاد في ظروف عابرة للتاريخ. وصل كثير منهم في عصر كانت فرنسا إمبراطورية لها امتداد في آسيا وأفريقيا. ساهموا في تأسيس البنية التحتية، وقاتلوا معها في الحربين الأولى والثانية. تعلموا لغتها، ساحوا في مناكب الأرض والمجتمع، لكن منظومة القيم وزخرفة الحياة العامة ظلت المشكلة التي تتوالد، لأن هؤلاء الفرنسيين القادمين يحملون في عقولهم وقلوبهم مكوناً لا تغيره أو تمحوه البيئة الجديدة؛ الدين الإسلامي بكل ما يحتويه من عقائد وقيم وتقاليد. خلقوا هويات موازية في بلاد لها علاقة نوعية ومتجدرة بالدين والهوية، عكس بريطانيا التي استقبلت ملايين الآسيويين والأفارقة من رعاياها السابقين، وفتحت لهم كل الأبواب وتسنم بعضهم أعلى المراتب. الإمبراطورية الفرنسية كانت إمبراطورية ثقافية قدر ما كانت سياسية وعسكرية واقتصادية. البحيرة البشرية الإسلامية التي تسرب ماؤها إلى سطح الجغرافيا الفرنسية تمدد أيضاً في مفاصل المجتمع وخلق منظومة قيم موازية مؤسسة على حزمة قيم دينية، شكلت ظاهرة جديدة وطرحت أسئلة كانت فرنسا قد أجابت عنها وتجاوزتها منذ قرون.


على رأس تلك الأسئلة: أين حدود الدين في الحياة السياسية، ودوائر الحرية الفردية من حيث العقيدة والسلوك والمظهر العام. زاد من ثقل حجم الأسئلة العنفُ والتطرفُ اللذان أديا إلى الإرهاب. فرنسا مجتمع متطور له القدرة على مواجهة كل ما يطفو على سطح الحياة من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات التشريعية والتنفيذية. السؤال اليوم: كيف التعامل مع الظاهرة الإسلامية في فرنسا بتجلياتها الدينية والاجتماعية والأمنية؟
الفصل بين الدين والدولة، عبارة سياسية مكثفة ارتبطت بفرنسا، واختزلت في كلمة ـ العلمانية ـ وسفك فيها الكثير من سائل الحبر فوق أرتال الأوراق لزمن طويل. تلك العبارة أو الكلمة صارت لها مذاهب وموارد وشوارد. من القائل بأن الدولة لها أسوار من التشريعات، على رأسها الدستور، تمنع أي تسرب من الموروث الديني إلى ضوابط التشريع السياسي والمدني للدولة. ومن قائل إن الدولة كيان نظري مطلق لا وجود بيولوجي ملموس له، فهي بذلك لا تمارس العبادات ولا تُحاسب بمعايير الخطيئة، إنما بنصوص القوانين التي تحاسب الخطأ، أما الخطيئة الإنسانية الفردية فيُحاسِب عليها الله في اليوم الآخر. نحن العرب المسلمين لنقل فسرنا تلك المقولة (فصل الدين عن الدولة) بدوافع من بنات وأولاد تجربتنا التاريخية الحديثة، لم نقرأها من داخل المكان والزمان اللذين ولدت فيهما.
لقد مرت فرنسا بمراحل شديدة الدموية، كان الدين هو السيف الذي يكتب صفحات المصير البشري. الدين له مكان وعنوان يمثله إنسان يقف على رأس الكنيسة، أوامره مقدسة، وهي القانون الذي لا يقبل الجدل، وعلى الجميع الائتمار بأمره.
الدولة الفرنسية، ولد جسدها الحديث من رحم أحداث جسام، كانت أخطرها الثورة الفرنسية التي غيرت البنية الاجتماعية والسياسية بفكر جديد ساهم في كتابته الحبر والدم. عصر جديد افتتح بأضواء التنوير الفكرية والفلسفية. كان الدين في جوهر التغيير والتطوير.
لم تتقبل فرنسا بسهولةٍ المذهب المسيحي الجديد ـ البروتستانتي ـ واعتبره رجال دينها الكاثوليك خطيئة عظمى لا مندوحة من مواجهتها بالدم المقدس. قضى مئات الآلاف في المعركة بين المذهب القادم الجديد والمذهب القديم الذي صنع ما في العقول والقلوب وخرائط الحياة العامة. ما تعرض له اليهود الفرنسيون من عداء ديني ومعاناة، كل ذلك ترك أثراً مفصلياً على الخطوط التي رسمت خرائط المستقبل الفرنسي.


المفاهيم المغالطة كثيراً ما يكون ثمنها كبيراً. التجربة الفرنسية بعد الثورة التاريخية تركت أثراً كبيراً داخل فرنسا وفي أوروبا بل والعالم. صُودرت الأفكار، وتسابق السياسيون والمثقفون من كل أصقاع الأرض يأخذون مما أثمرته شجرة الثورة الفرنسية في السياسة والقانون، بل وأسس بناء الدولة الحديثة. الذين كتبوا الدستور الأميركي اهتدوا بأفكار منظري فرنسا.
كانت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، وعلى رأسها البابا، هي بيت الحكم، والبابا هو الحاكم المعصوم ممثل الله على الأرض، وعلى الشعب المؤمن السمع والطاعة. تأسيس الدولة الحديثة يستحيل مع حكم البابا وسلطة الكنيسة، كانت الثورة على الكنيسة الشرط الأساسي لإقامة بنيان سياسي جديد يحل فيه المواطن محل البابا، والدولة محل الكنيسة. في الإسلام ليس هناك جسم ديني يقابل الكنيسة الكاثوليكية. لم يكن الحاكم يوماً ممثلاً لله على الأرض. لا مكان لما سمي العلمانية في الإسلام. الاختلاف جوهري بين الحالتين عقدياً وتاريخياً. الإسلام موجود داخل الدولة عبر الإنسان المسلم أينما كان. سياسياً أو مهنياً، تتجسد قيم الدين في الفكر والفعل دون سلطة، الإيمان في الإنسان المسلم قوة وليس سلطة. الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مسيطراً، كان مبشراً ونذيراً.
في الحالة المسيحية، المذهب الكاثوليكي مارس الحكم وامتلك الناس والأرض، وقمع العلم في عصور الظلام، فكان التخلص والتحرر منه أكبر هدف للثورة.
في فرنسا صدرت تشريعات سنة 1901 و1905 لفصل الدولة عن الكنيسة، وأعيد تعديل تلك التشريعات أكثر من مرة. اليوم وبسبب كثافة الوجود الإسلامي هناك مراجعة لبعض التشريعات، أهمها تحديد ما هو الديني وما هو الثقافي؟ الجمعيات القائمة على أسس ثقافية، وإن كانت دينية، تتلقى مساعدة من البلديات، ويحق للمساجد أن تقيم مراكز ثقافية، على أن تتم مراقبة التمويل الأجنبي لهذه المراكز. مع مراقبة الضرائب على اللحم الحلال التي تحقق مئات الملايين وأوجه صرفها، وكذلك الخطاب الديني في المساجد ومنع الدعوة للتطرف والتحريض على الإرهاب، وكذلك موضوع الحجاب وإقامة الصلاة في الشوارع والأماكن العامة. هناك حالات ضاغطة في المجتمع الفرنسي لا بد من معالجتها، كما يرى الساسة والمشرعون الفرنسيون، ومنها استغلال الدين في الحملات الانتخابية، والخوف من الإسلام أو ما سمي بـ«الإسلام فوبيا»، ومعوقات الاندماج الاجتماعي للمسلمين في المجتمع. للدين حرية مطلقة شرط ألا يقود ذلك للتعدي على الآخر. في كثير من الأحيان تكون حماية الدين من الدولة هو الأكثر إلحاحاً وليس العكس. المسلمون في فرنسا حقيقة اجتماعية وسياسية يمكنهم أن يكونوا قوة فاعلة حقيقية في كل المجالات، وفي مقدمتها العمل السياسي، بعد أن اعترف الجميع بوجود دورهم وأهميته، وبعد مراجعة التشريعات التي تنظم حياتهم الدينية بحرية. في العقود السابقة كان من شروط حصول المسلم أو الأجنبي بصفة عامة على الجنسية، أن يغير اسمه إلى اسم فرنسي وتم إلغاء ذلك الشرط. والتعديلات المطروحة الآن للنقاش هي تطور مهم يفعّل دور المسلمين إذا أحسنوا إدارة قضية موضوع الانتماء الاجتماعي مع المحافظة على دينهم وجوهر ثقافتهم، التي تساهم في السلم الاجتماعي وتقدم صورة حقيقية لهم ولدينهم. هل يمكن أن تبنى قرطبة القرن الواحد والعشرين؟